صاحب أهم اختراع في

العصر الحديث

رجل لا يعرفه أحد!

د.محمد رامي

يعدُّ ترانزستور الموسفت (MOSFET Transistor) “اختراعًا رائدًا غيّر الحياة والثقافة حول العالم”، كما وُصف من قِبَل مكتب براءات الاختراع والعلامات التجاريّة الأمريكي، ولعله أهم اختراع في الإلكترونيات الحديثة، أو أهم اختراع في العصر الحديث ككل.

الموسفت أساس الأجهزة الإلكترونيّة وأجهزة الاتصالات

الموسفت ذو الأبعاد المتناهيّة الصغر هو الوحدة الأهم المُكَوِّنة لأغلب المعالجات الحاسوبيّة والدوائر الإلكترونيّة المدمجة (Integrated Circuits) والذاكرات الحاسوبيّة وغيرها من الدوائر الإلكترونيّة الموجودة في كلِّ ما نستخدمه من حاسبات آليّة، وهواتف متنقّلة، وأجهزة إلكترونية كثيرة أخرى. فمثلاً المعالج الحاسوبي العادي (المصّنع على شريحة سيليكون مساحتها لا تتعدى 3سم × 3سم) الموجود في الحاسب الآلي المحمول يحتوي على ما يزيد على 1 مليار ترانزستور موسفت، وهناك معالجات حاسوبيّة تحتوي على أكثر من 30 مليار موسفت.

وصل معدل الإنتاج العالمي لترانزستور الموسفت في عام 2017 إلى 20 تريليون موسفت في الثانية الواحدة. والموسفت موجود في كل الأجهزة الإلكترونيّة وأجهزة الاتصالات التي نستخدمها في عالمنا المعاصر، ومن دون اختراع الموسفت لم نكن لنتمكّن من تَملُّك الأجهزة الإلكترونيّة المحمولة، ولم تكن لتحدث ثورة الاتصالات والإلكترونيّات الحديثة التي نعاصرها الآن.

بالمصادفة، وقبل الشروع في كتابة المقال عن الأساليب والطرائق المتّبعة في تصنيع النبيطة الإلكترونية المتناهيّة الصغر الأهم في عصرنا “الموسفت”، وفي أثناء قيامي ببعض القراءات البحثيّة في بعض الأوراق العلميّة القديمة لفت نظري اسم يبدو عربيًّا (M. M. Atalla) في قائمة مراجع بورقة علميّة قديمة مهمة منشورة في ستينيات القرن الماضي، وهي بداية ثورة الإلكترونيّات الحديثة.

العربي مخترع النبيطة الإلكترونيّة

بما أنَّ هذه التقنيّة لم تكن موجودة في عالمنا العربي في ذلك الوقت، ومن غير المعروف أنَّ أيًّا من العلماء العرب قد لمع اسمه، أو قدّم علمًا مميَزًا في مجال الإلكترونيّات الحديثة في تلك المُدّة، فقد أثار فضولي وجود هذا الاسم في قائمة مراجع تلك الورقة العلميّة. وعليه قمت بكتابة الاسم (M. M. Atalla) في محرك البحث جوجل، وظهرت بعض المعلومات في الإنترنت عن محمد عطا الله، وقد ذُهلت بشدّة مما قرأت عنه، ودفعني ذلك إلى تغيير موضوع المقال للكتابة عن صاحب أهم اختراع، بل صاحب كثيرٍ من الاختراعات المهمّة في العصر الحديث. محمد عطا الله هو مخترع النبيطة الإلكترونيّة الأهم في عصرنا “الموسفت”، وقد اخترعها في عام 1959 مع مساعده الكوري داون كاهنج في مختبرات بل (Bell Labs) الشهيرة بالولايات المتحدة الأمريكيّة. 

من الترانزستور إلى الأمن السيبراني

لقد تعجبت أشدّ العجب عندما قرأت سيرة العالِم العربي محمد عطا الله؛ لأنني وأغلب زملائي العاملين في مجال النبائط الإلكترونيّة لا نعرف شيئًا عن هذا العالِم.

الجميع يعرفون من هم مخترعي ترانزستور “الوصلة الثنائية الأقطاب” (Bipolar Junction Transistor) الذي جرى اختراعه في عام 1947، ولكنَّ العجيب أنّه، تقريبًا، لا أحد يعرف أيَّ شيء عن مخترع “الموسفت”، وهو الترانزستور الأكثر استخدامًا، والأهم بلا منازع في مجال الإلكترونيّات، إذ إنَّ بِنية الموسفت وخواصه الفيزيائيّة أهَّلته ليكون الترانزستور الأفضل بالمقارنة بترانزستور الـوصلة الثنائيّة الأقطاب؛ لأنه يمكن تصغير حجمه بسهولة، حتى وصل أصغر بُعد في الموسفت لنحو 5 نانومترات (أي 5 على مليار من المتر)، ولأنّه يستهلك طاقة كهربائّية أقلّ بكثير من ترانزستور الوصلة الثنائية الأقطاب.

وما يثير العجب أيضًا ما قدمه محمد عطا الله من اختراعات أخرى مهمّة ومحوريّة، ليس فقط في مجال الإلكترونيّات الحديثة، بل أيضًا في مجال التشفير والأمن السيبراني!

محمد عطا الله من مواليد محافظة بورسعيد بمصر عام 1924. وقد حصل على بكالوريوس العلوم من جامعة القاهرة، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة، وحصل على الماجستير والدكتوراه في الهندسة الميكانيكيّة من جامعة بوردو (Purdue University) في عامي 1948 و1949، عن عمر يناهز خمسة وعشرين عامًا! وقد عمل محمد عطا الله في كبرى شركات الإلكترونيّات وأشباه الموصلات الأمريكيّة، وهي مختبرات بل (Bell Labs)، وشركة هوليت-باكارد (Hewlett Packard, HP)، وشركة فيرتشايلد لأشباه الموصلات (Fairchild Semiconductors) لمدة 23 عامًا؛ من عام 1949 إلى عام 1972، قدّم خلالها كثيرًا من الاختراعات المهمّة والمحوريّة في عالم الإلكترونيّات الحديثة.  

تمكّن محمد عطا الله في خمسينيات وستينيات القرن الماضي من تطوير عمليّة الأكسدة الحراريّة للسيليكون، وهي عمليّة أدّت إلى تخميل سطح السيليكون؛ لحمايته من العوامل البيئيّة، وأيضًا جعلت عمليّة تدفق التيار على أسطح الدوائر المصنوعة من السيليكون أكثر موثوقيّة.

وبعد ذلك قدّم محمد عطا الله مع الفريق البحثي الذي يقوده أهم اختراع في العصر الحديث وهو ترانزستور الموسفت، وقام بتصنيع النوعين الشهيرين من الموسفت وهما (PMOS) و(NMOS). استطاع محمد عطا الله أيضًا تطوير عمليّة تبخير أغشيّة معدنيّة على أسطح شرائح السيليكون، وهذا الأمر أوجد طرائق توصيل كهربي موثوق بين أطراف النبائط المصنّعة على السيليكون. وتُعدُّ تلك الأعمال والاختراعات مجمّعة أسس تصنيع دوائر الموسفت المدمجة على السيليكون، ولولا تلك الأعمال التي قدّمها محمد عطا الله في الأربعة عشر عامًا الأولى من حياته المهنيّة ما كان للسيليكون أن يشيع استخدامه في الدوائر الإلكترونيّة، ولأصبح مستحيلاً إنتاج دوائر الإلكترونيّات المدمجة بمليارات الترانزستورات، التي نعيش عالمنا المعاصر معتمدين عليها اعتمادًا كليًّا. 

صورة لترانزيستور الموسفت الذي اخترعه محمد عطا الله مع داون كاهنج عام 1959

مخترع دايود شوتكي

إن كان هذا هو كل ما قدّمه محمد عطا الله للبشرية فقد كفى، ولكنه قدّم المزيد والمزيد، فقد اخترع أيضًا دايود شوتكي مع مساعده الكوري داون كاهنج، وليس العالم الألماني والتر شوتكي! وهو صمام ثنائي مكوَّن من قطعة معدن موصّلة بقطعة شبه موصل، ويستخدم كثيرًا في أجهزة الاستقبال بأنظمة الاتصالات والرادار.

استطاع محمد عطا الله –كذلك- أثناء إدارته لمعامل أشباه الموصلات التي أسسها بشركة هوليت-باكارد من إجراء دراسات معمّقة على مواد زرنيخيد الغاليوم (GaAs)، وفوسفيد زرنيخيد الغاليوم (GaAsP)، وزرنيخيد الانديوم (InAs)، التي استُخدمت لاحقًا في تصنيع نبائط عالية السرعة؛ وهذا ما ساعد شركة هوليت-باكارد على الاستحواذ على 90% تقريبًا من مبيعات أجهزة الاتصالات العسكريّة.

شاشات عرض الـ LED

ليس هذا فحسب، بل استطاع عطا الله مع فريق البحث الذي يشرف عليه من تطوير وإنتاج أول شاشة عرض مكوّنة من مجموعة ثنائيّات باعثة للضوء (Light Emitting Diode اختصارًا: LED)‏، وذلك في نهاية ستينيات القرن الماضي، وتلك هي شاشات عرض الـ (LED) التي نستخدمها الآن في شاشات التلفاز، والهاتف المتنقل، والحاسب الآلي المحمول، وشاشات العرض بالشوارع، وغيرها.

بعد ذلك تمكّن الفريق نفسه من تطوير أول مؤشر (LED) ذكي، وهو ما يُعرف الآن بشاشة الأقسام السبعة (Seven Segment Display)، وهي التي تستخدم في الساعات الرقميّة، والمؤشرات الرقميّة، والآلات الحاسبة، وغيرها.

وإذا لم نتعجّب من أنَّ محمد عطا الله قد قدّم كثيرًا في مجالات الإلكترونيات والفيزياء وعلوم المواد، على الرغم من أنّه حاصل على الدكتوراه في مجال الهندسة الميكانيكيّة، فلنا أن نتعجّب من أنَّه قدم-أيضًا- كثيرًا من الأعمال في مجال التشفير وأمن المعلومات!

صورة مؤشر الـ (LED) الذكي (مجموعة ثنائيّات باعثة للضوء مع دائرة مدمجة) الذي اخترعه محمد عطا الله مع فريقه البحثي عام 1969.

مؤسسة عطا الله

 لقد ترك محمد عطا الله العمل في مجال أشباه الموصلات، وأنشأ شركته الخاصّة “مؤسسة عطا الله” (Atalla Corporation) عام 1972، وبرع فيها بوصفه رائد أعمال في مجال التشفير وأمن المعلومات الخاص بالمعاملات الماليّة والبنكيّة.

وكان أول ما أنتجه محمد عطا الله هو “صندوق عطا الله” (Atalla Box)، وهو جهاز مشّفِر يحتوي على قارئ لكارت بلاستيكي خاص بعميل البنك، ونظامٍ للتعرف إلى مستخدم الكارت يعتمد على رقم سري يُسمَّى برقم التعرف الشخصي (Personal Identification Number اختصاراً: PIN)، وهما الكارت والرقم السري اللذان نستخدمهما في جميع معاملاتنا البنكيّة؛ فمحمد عطا الله هو “أبو الـ (PIN)” كما يسمونه.

أدى “صندوق عطا الله” إلى تيسير وأتمتة كثير من المعاملات البنكيّة، وأصبح المكّوّن الرئيس لجهاز الصراف الآلي الذي يستخدمه العالم أجمع. 

صندوق عطا الله

ما زال “صندوق عطا الله” يؤَمِّن أغلب معاملات جهاز الصراف الآلي في عالمنا الحاضر. وبعد ذلك، وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، قام محمد عطا الله بدعوة من مديري كبرى البنوك بالولايات المتحدة الأمريكيّة بتطوير نظام تشفير يقوم بتأمين عمليّات تبادل الملفات والمعلومات عبر الإنترنت، وهو النظام الذي أسَّس للمعاملات البنكيّة والتجارة الإلكترونيّة عبر الإنترنت.

توفي الدكتور محمد عطا الله في الولايات المتحدة الأمريكيّة عام 2009، بعدما أسهم بأعمال رائدة في التقدّم الذي نراه في عالمنا المعاصر في مجالات الإلكترونيّات الحديثة، وأمن المعلومات، والمعاملات البنكيّة، والتجارة الإلكترونيّة عبر الإنترنت. لم ينل محمد عطا الله تقديرًا يتناسب مع ما قدّمه، لذا جاء هذا المقال محاولةً، لتخليد ذكرى هذا العالِم العربي الفذّ، بل الأسطوري. 

Share This