الكائنات المعدّلة وراثيًّا
وتطبيقاتها الواعدة
د. اسبرانس دبس – أحياء دقيقة - جامعة البلمند - لبنان
ازداد إطلاق منتجات النّفط الثّانويّة، والنّفط الخام، والمعادن الثّقيلة، والمواد المشعّة، وانبعاثات غازات الدّفيئة في البيئة بشكلٍ كبيرٍ خلال العقديْن الماضييْن بسبب التّصنيع العالميّ، والتّحضّر، والممارسات الزّراعية غير الآمنة، والنّمو السّكاني والحروب. يتسبّب ذلك بآثار سلبيّة، مرحليّة أو دائمة، على البيئة وصحّة الإنسان وفق درجة التّلوّث(1)(2)(3). كما وتتأثّر البيئات البحريّة بشكلٍ كبيرٍ بالانسكابات النّفطيّة العرضيّة أثناء النّقل
استُخدمت عديدٌ من الإستراتيجيّات المختلفة مع مرور الوقت لوقف التّدهور الحاصل وتقليل تأثير هذه النّفايات والانبعاثات على البيئة. يتمثّل منظور عالم البيئة في المعالجة البيئيّة المُستدامة في استخدام إستراتيجيات لمعالجة المواقع الملوّثة شرط أن تكون الإستراتيجيّات صديقة البيئة ومُجدية اقتصاديًا. وبسبب التّكاليف الباهظة والتأثيرات الضّارّة للطّرق الفيزيوكيميائيّة، فإنّ المعالجة الحيويّة قد تكون هي الحلّ الأنسب لهذه الملوّثات. تستخدم المعالجة الحيويّة في كثير من الأحوال النّباتات أو البكتيريا والفطريات أو إنزيماتها لمعالجة الأماكن الملوّثة وإعادتها إلى حالتها الطّبيعية، كما تساعد على تنظيف مصادر المياه وإنشاء تربة أكثر صحيّة، وتحسين جودة الهواء في جميع أنحاء العالم(4)(5). كما تمتلك أنواع معيّنة من البكتيريا القدرة على إنتاج مواد بلاستيكية قابلة للتحلّل. يمكن إدخال الجينات الّتي تحمل هذه الخاصّية إلى ميكروبات لتعديلها وراثيًّا، ومن ثمّ يمكن تربيتها على نطاق واسع لمكافحة المشكلة البيئة المتعلّقة بالبلاستيك(6). تشارك الكائنات المعدّلة وراثيًا بجزءٍ صغيرٍ من هذه إستراتيجيات المعالجة البيولوجيّة، وهي تُنْبِئ بمُسْتقبلٍ واعِد.
الحيوانات المعدّلة وراثيًّا وتطوير البحوث العلميّة
لا غنى عن التّجارب على نماذج حيوانيّة مناسبة في مجال اكتشاف الأدوية وتطويرها، لكونها يمكن أن تؤدّي إلى تطوير وسائل وقائيّة أو علاجات للأمراض البشريّة. يعدّ إنتاج الحيوانات المعدّلة وراثيًا نهجًا مهمًّا فاعلًا في البحوث العلميّة والاكتشافات الطبّيّة. تُعدل عديد من الفئران أو الأرانب وراثيًا لاستخدامها في المختبرات الجامعيّة لتطوير البحوث العلميّة في الهندسة الوراثيّة والطبّ(7). فقد استندت إحدى وسائل تطوير الأدوية المضادّة للسّرطان، على سبيل المثال، على نماذج من الفئران المهندَسة وراثيًا والّتي أصبح بإمكانها التّطوير عفويّا لنماذج سرطانيّة تمكّن العالِم من دراستها(8)(9).


صورة 1: ديب واتر هورايزون تشتعل فيه النيران في عام 2010(4).
الكائنات المعدّلة وراثيًّا والصّناعة
- البكتيريا والخميرة المعدّلة وراثيًّا لإنتاج أنزيمات الغذاء:
يمكن العثور على الإنزيمات في جميع الكائنات الحيّة، وهي بروتينات تحفّز التّفاعلات الكيميائيّة الحيويّة، ويمكن استخدامها في الصّناعات الغذائيّة، لإنتاج الجبن والخبز مثلًا(10). من أجل استخدامها في الصّناعة، يمكن استخراج الإنزيمات من المصادر النّباتيّة والحيوانيّة أو يمكن الحصول عليها من التّخمير باستخدام سلالات بكتيريّة أو فطريّة معدّلة وراثيًّا، التي تُحسَّن لزيادة إنتاجها وتحسين خصائصها(11).
- فطريات الخميرة المعدّلة وراثيًّا لإنتاج الـ 2 – فينيل إيثانول أو «عطر الورد»:
نظرًا لرائحته الورديّة الجميلة، ازداد الطّلب على مركّب الـ 2 – فينيل إيثانول الذي يُستخدم في الأغذية ومستحضرات التّجميل والأدوية. يمكن استخلاص الـ 2 – فينيل إيثانول من استخراج الزّيوت الأساسيّة من زهورٍ مختلفةٍ، كالورد والزّنابق والياسمين. إلّا أنّ هذه السّبل غير قادرة على تلبية السّوق المتصاعدة؛ مما يؤدّي إلى ارتفاع سعر المبيع. لذلك، هناك حاجة إلى تطوير التّكنولوجيا الحيويّة لتصبح أكثر كفاية واقتصاديّة وصديقة البيئة كبديلٍ للنّهج الصّناعيّ التّقليديّ. وقد طُوِّرت عديدٌ من إستراتيجيّات الهندسة الوراثيّة لتحسين الإنتاج في سلالات الخميرة المختلفة(12) .
- الملوّنات ونكهات الطّعام الّتي تنتجها الكائنات المعدّلة وراثيًّا:
من أجل إنتاج فاعل وغير مكلف ومُستدام للملوّنات والنّكهات الطّبيعية، صُمِّمت عديدٌ من الخلايا الميكروبيّة المعدّلة وراثيًا لتعمل مصانع تركّز على زيادة إنتاجيّة المواد المستهدفة، كالليكوبين (مضاد للأكسدة وملوّن غذائيّ طبيعيّ باللّون الأحمر)، والفيولاسيين (مضاد للأكسدة وملوّن باللون الكحليّ النّادر)، والليمونين (مادة متطايرة تعطي نكهة الحمضيات كالبرتقال والليمون، وتستخدم على نطاق واسع في صناعات الأغذية والمشروبات)، …(13) .

دور الكائنات المعدّلة وراثيًا في الطّب
- التّبغ والدّواء:
المثال الأكثر أهميّة لاستخدام الكائنات المعدلة وراثيًا في الطّب كان عام 2014، إبّان تفشّي فيروس إيبولا في غرب إفريقيا، عندما أصيب الطّبيب الأمريكيّ كينت برانتلي ومتطوعون آخرون بفيروس إيبولا، عُولج عديد منهم بالـ «مصل سرّي» الذي صُنّعَ من التبغ معدّل وراثيًا. ذلك الـ «مصل» هو مزيج من عدة بروتينات تهاجم فيروس الإيبولا. بمجرد حصاد أوراق التبغ، وبدلاً من تحويلها إلى سجائر، تفتّح خلاياها ويجمع الدّواء. إنّها ثورة في مجال تصنيع الأدوية(14)(15).
- البعوض المعدّل وراثيًّا لمكافحة الملاريا:
يمكن لعديد من الأمراض مثل الملاريا وحمى الضّنك والشّيكونغونيا وزيكا أن تنتقل إلى البشر عن طريق البعوض(16)(17). باستخدام تقانات الهندسة الوراثية، يتمّ إدخال جين في سلالة من البعوض لمنع الجيل القادم من البقاء على قيد الحياة ممّا يساعد في السّيطرة على الأمراض الّتي ينقلها البعوض(18).
- البكتيريا المعدّلة وراثيًّا كعوامل مضادّة للأورام:
من الممكن استغلال قدرة البكتيريا على الدّخول والبقاء داخل الجسم لصالح الإنسان؛ لإمكانية استخدامها وسيلةً لتوصيل أو إنتاج الجزيئات النّشطة بيولوجيًّا، مثل السّموم والإنزيمات، وفي النّهاية قتل الخلايا السّرطانية(19). على سبيل المثال، قد عُدِّل كثيرٌ من البكتيريا وراثيًّا لتصبح عوامل محتملة مضادة للسّرطان بأهداف وأفعال مختلفة.

