الهجرة المناخية…
أزمة عالمية مختلفة كليًّا على الأعتاب
طارق راشد – باحث وإعلامي – 21 يونيو 2021م
في الوقت الذي قيَّدت فيه الجائحة حركة الناس، سيكون للتغيُّر المناخي الأثر المعاكس بشكل متزايد، إذ ينتقل السكان من المناطق المتأثرة أكثر من غيرها إلى المناطق الأقل تأثرًا بهذه الظاهرة.
يحذر العلماء من أنّ ظاهرة التغيّر المناخي يمكن أن تجلب دمارًا محققًا لحضارتنا في هذا القرن أو القرن الذي يليه. وأسوأ السيناريوهات على الإطلاق حاليًا التي يطرحها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغيّر المناخ يفيد بارتفاع درجات الحرارة بواقع 4 درجات مئوية، وارتفاع مستوى البحار بمقدار متر واحد بحلول عام 2100م.
وامتلاكنا لهذه المعلومات يضعنا في موقف بالغ التعقيد، إذ إننا نفضل أن نتجنب المسألة برمتها بعد أن شلّت حركتنا جسامة الكارثة المقبلة وقرب حدوثها. ولا ينبغي لنا تجنُّبها؛ لأنه برغم أنَّ احتمالات وقوع أسوأ السيناريوهات ضعيفة نسبيًا، إذ تبلغ ٪17، على الأقل حتى وقتنا هذا، فالظروف في تدهور مُستمر، وسنشعر جميعًا بتداعياتها الجسيمة.
جدير بالملاحظة أنَّ الدروس التي يُفترض أننا تعلمناها، إذ نخرج حاليًّا، وعلى مهل من نوع آخر من الكوارث العالمية؛ وأعني جائحة فيروس كورونا المُستجد.
إنَّ التعاون والتنافس، بمقادير متفاوتة، هما القوتان اللتان تُشكِّلان ردود الأفعال التكيُّفية تجاه التوترات البيئية. إننا بصدد دخول مرحلة سيكون فيها التعاون أهم بقدرٍ أكبر، إذ لا يجوز فرض حظر في ظل فوضى المناخ، ولا توجد مخابئ تضمن عزلاً وقائيًا لبعض الناس.
إنَّ ردة فعل الناس الأساسية للموجات الحارة والكوارث الطبيعية ستكون الهجرة، سواء المؤقتة أم الدائمة، إذ تتوقع المنظمة الدولية للهجرة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة أن يُهجَّر ما بين 200 مليون ومليار نسمة بسبب التغيُّر المناخي بحلول عام 2050م. وتقول المنظمة إنَّ هذه الأرقام مرهونة بثمرة جهودنا الجمعية الناجحة جدًّا في تجاهل حجم مشكلة المناخ.
وسيشهد عالَم الرحّالَين الذي يوشك أن يطغى علينا نتيجة انهيار النظام البيئي أزمات ناجمة من التوترات المادية والرمزية الناشئة عن أعداد كبيرة من السكان المتنقلة من المناطق الأكثر تأثُّرًا إلى المناطق الأقل تأثُّرًا. وقد يحدث تشديد للرقابة على الحدود بين الدول، سواء بإصدار قوانين أم دون إعلان صريح.
وتتجلى على أبناء جيل الألفية بالفعل علامات مثيرة تشي بالانفصام “الأقاليمي”. وربما كانت تلك الظاهرة أساسًا لتصميم حضارة أكثر ترحابًا بالمعني الشمولي للعالم: فما من أحد يعلم أين سيؤول به المآل أو متى قد يتعين عليه الهجرة.

تأمين الملاذ والحماية للاجئين سيشمل جميع الأقاليم
في هذه الظروف، ستشمل فكرة توفير الملاذ والحماية للاجئين جميع الأقاليم والمناطق. ومن المفارقة أنَّ أولئك الذين يحصلون على مستويات أفضل من الاهتمام ستسحقهم احتياجات أولئك الذين لم يحظوا بالاهتمام، وهذا سيؤثر بشكلٍ جسيم في قدراتهم الخاصة.
واليوم، يُحاط مكان مثل بلدة بويرتو كارينيو الواقعة على الحدود الكولومبية-الفنزويلية بمُدن الأكواخ التي تأسست حديثًا في مناطق طبيعية مُهددة (مثل سيرو دي لا بانديرا أو مصب نهر بيتا). وهذا نتاج خليط من الشعبوية والاستغلال الاحتيالي للتضامن الذي لا يخلق سوى مشكلات مستقبلية، إلى جانب الاعتماد المشبوه على العصابات والمتاجرين بالبشر.
والتفكير في إستراتيجيات رسمية للحيلولة دون وقوع المهاجرين، بسبب أزمة المناخ، في أيادي جماعات مخالفة للقانون مسألة ذات أولوية. وينبغي لنا تحويل تدفقات المهاجرين إلى فرصة مشروعة لجعل الاستيطان والعمل والتعليم وكل أشكال الإنتاج أكثر مرونة، وهذا، بلا شك، تحدٍ اجتماعي بيئي كبير.
ومن الواضح أن التقوقع ليس مجديًا في هذا السياق؛ فلا مجال للحنين إلى أرض الأجداد أو العودة إلى أنماط الحياة المحلية عندما يجبرنا المناخ جميعًا على جعل إجراءاتنا عالمية.