دروس عن المخاطر..
من سفينة جانحة في قناة السويس إلى جائحة عالمية
طارق راشد – باحث وإعلامي – 21 يونيو 2021م
عملاق من الصلب يمكن أيضًا أن يخيف حارس الريح في الأساطير اليونانية أيولوس. وهذا هو حال السفينة إيفرجيفين (Ever Given). فقد كانت هبّة ريح كافية لتجعل سفينة الحاويات العملاقة الأطول من برج إيفل والأثقل منه 20 مرة تجنح وتَعْلَق في قناة السويس.
ولم تكن هناك أدنى صلة بين الحادثة والجائحة التي دمرت الكوكب لعام كامل… اللهم إلا أنّ القصَّتيْن تلقينا منهما الدروس ذاتها. أولاً، تعلمنا منهما أنَّ علينا أن نتحلى بالتواضع؛ فالبشر يعلمون كيف يصممون قلبًا اصطناعيًا، غير أنهم غير قادرين على التحكم في فيروس أودى بالفعل بحياة نحو 3 ملايين نسمة. ونعلم أيضًا كيف نبني سفينة عملاقة قادرة على تحمل العواصف، وهي مُحمَّلَة بـ 20 ألف حاوية معدنية في منظومة أحدثت ثورة في نقل البضائع. ومع ذلك، لا يمكننا أن نحول دون تعطيل تلك السفينة لشريان محوري من شرايين التجارة العالمية.

ويعقد خبراء الإنقاذ الآمال على أن تحرر الطبيعة السفينة التي عرقلتها، وأن مَدًّا سيكون كافيًا لتعطيل أثر الرياح في السفينة إيفرجيفين .
وهذا درس يتعلّق بهشاشتنا، فالفيروس الذي لا تراه العين المجردة كان كافيًا لأن يتسبب في تراجع غير مسبوق في النشاط العالمي العام المنصرم قُدِّرَ بتريليونات الدولارات. وهبّة ريح كانت كافية لأن تسد قناة يمر عبرها ٪10 من التجارة العالمية ومليونا برميل نفط يوميًا. وهناك مئات السفن بالفعل تنتظر عند مدخل الممر الملاحي. وفي هذه الحالة أيضًا، ستكون الخسائر باهظة، وقد تصل، بحسب صحيفة «لويدز ليست» المعنية بالشؤون التجارية، إلى رقم يلامس 10 مليارات دولار يوميًا.
بالنسبة إلى الفيروس وكذلك إلى قناة السويس، ينبع الحلّ أو سينبع من عبقرية قلة من الأفراد. أما بالنسبة إلى الشركات، فهذا درس إضافي آخر لتطوير تخطيط المخاطر، ومراعاة أنه لا شيء «مُسلَّم به أبدًا» (وهي ترجمة اسم السفينة الجانحة)، كالصحة، والوصول إلى الأسواق، وإمكانية التصنيع هنا، أو المرور وصولاً إلى هناك، أو عرض من مُورِّد، أو تمويل من مستثمر. وأبعد سلسلة الأحداث عن الوقوع ليست بضرورة الحال الأبعد احتمالاً. ولم ننتهِ بعد من الحديث عن المرونة والقدرة على التحمُّل والإبداع.

