طارق‭ ‬راشد‭ – ‬باحث – 29 مارس 2021م

أسباب‭ ‬تفادي‭ ‬آسيا

أسوأ تداعيات جائحة كوفيد-19

تُعدُّ منطقة شرق آسيا موطنًا لـ30% من سكان العالم، لكنها سجّلَت 2.4% فقط من حصيلة الوفيات العالمية تأثرًا بفيروس كورونا المُستجد. ويبحث العلماء احتمالات تمتُّع هذه الشريحة بمناعة من الأوبئة السابقة، أو حتى احتمالات عزو هذه الظاهرة إلى جينات الشرق آسيويين.

إن هذا لأحد الأسرار العجيبة لجائحة كوفيد- 19. فقد تأثرت دول شرق آسيا بتفشي فيروس كورونا المستجد قبل تفشيه في أوروبا والولايات المتحدة بعدة أسابيع، ومع ذلك كان سكانها قادرين على اجتياز الأزمة الصحية بشكلٍ ملحوظ، وأعلنوا، رغم موجات العدوى المتتالية، عن حصيلة وفيات أقل بكثير من سكان الغرب.

سجّلت البلدان العشرة الأعضاء في رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) (إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وبروناي وفيتنام ولاوس وميانمار وكمبوديا)، وبلدان شمال شرقي آسيا المتقدمة (الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان) إجمالاً 44 ألف حالة وفاة مرتبطة بجائحة كوفيد- 19 منذ يناير 2020م، أي نحو 2.4% تقريبًا من 1.8 مليون إجمالي ضحايا الجائحة عالميًّا. وهذا عدد أقل من حالات الوفاة التي سجلتها فرنسا وقُدِّرَت بـ 65 ألف حالة. ولكي نضع هذه الصورة في منظورها السليم، تُعدُّ منطقة شرق آسيا التي يسكنها 2.3 مليار نسمة موطنًا لـ 30%  من سكان العالم جميعًا.

وبغض النظر عن مستوى تقدُّم أقاليم تلك المنطقة وقوة حكوماتها، فقد سجلّت جميع الأقاليم عدد وفيات متدنيًا جدًّا لكل مليون ساكن. وبلغت هذه النسبة في فيتنام 0.36 وفي تايوان 0.29 وفي الصين 3.4. ولم تُعلن كمبوديا ولاوس عن حالة وفاة واحدة خلال 11 شهرًا. وبالمقارنة، فقد بلغت حصيلة وفيات فرنسا 970 حالة لكل مليون نسمة، بينما بلغت 1034 حالة في الولايات المتحدة.

لقد ظلت اليابان وكوريا الجنوبية تواجهان تسارعًا في أعداد حالات العدوى منذ نوفمبر 2020م، غير أن عدد الحالات فيهما ما زال محدودًا جدًّا. وفي واحد من أسوأ أيام اليابان، وتحديدًا الحادي والثلاثين من ديسمبر، سجّلت الدولة 4520 حالة إيجابية وسط 126 مليون نسمة، بينما في العشرين من ديسمبر، كسرت كوريا الجنوبية رقمها القياسي؛ إذ سجّلت 1097 حالة إيجابية في أربع وعشرين ساعة. وفي بداية يناير، بلغ إجمالي حالات الوفاة في هذين البلديْن 4284 حالة منذ بداية الجائحة، أي أقل ممن نَعَتهم الولايات المتحدة مؤخرًا في يوم واحد فقط.

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت الفجوات العملاقة بين قارة آسيا وبقية دول العالم سيلاً من النقاشات حول انعدام كفاءة كثير من الحكومات أو فاعليتها، بينما تعرضت نقاشات أخرى لـالانضباط المُستبعد أو التعددية الثقافية لسكان الشرق. وسخر بعض محللي التلفزيون حتى من النزعة السلطويّة المفترضة للعواصم الآسيوية كبكين، التي إما فرضت الانضباط على سكانها الخاضعين وإما حبستهم رغمًا عنهم. ومع ذلك، فكثير من البلدان في المنطقة، في واقع الأمر، صمد في مواجهة الأزمة دون أن تُنتهك الحريات الأصليّة لمواطنيها قط.

في اليابان، لم تُفرض أي قيود على السكان. وفي كوريا الجنوبية، لم يُفرض أي قيد على تحركات المواطنين على مستوى الدولة. ولم تصدر تايوان مرسومًا يفرض إغلاقًا كاملًا.

إذا أراد الخبراء إنكار فكرة الشخصيّة الآسيويّة هذه التي تفسر، بطريقة سحريّة، الحصيلة المتدنيّة لضحايا المنطقة، فهم يشيرون إلى بعض الخصائص السياسية التي تشترك فيها تلك البلدان.

وعبر القارة بأسرها، سارع الناس إلى ارتداء الأقنعة دون تردد، إذ كان ارتداء هذه الأدوات الوقائية ممارسة عامة في اليابان وكوريا الجنوبية موجودة بالفعل. وتنقل صحيفة ليزيكو الفرنسية عن الأستاذ تيو يك ينغ Teo Yik Ying عميد كلية ساو سوبي هوك للصحة العامة التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية، قوله: لقد كانت الفروقات الكبيرة بيننا وبين الغرب عمليات إغلاق الحدود المُشدَّدَة والفحوصات الصارمة للمصابين بالعدوى، سواء أكانوا مرضى أم لم تظهر عليهم أعراض المرض.

ولوقف تفشِّي الفيروس، عزلت حكومات المنطقة كلها نفسها عن العالم قبل شهر مارس. واضطرّ الذين استطاعوا أن يدخلوا هذه البلدان إلى التقيّد بقوانين حجر صحي مشدّدة جدًّا، والخضوع إلى فحوصات في بداية مرحلة عزلهم وفي نهايتها.

واتباعًا لقاعدة مثيلة، اضطر السكان المصابون بالعدوى إلى الإقامة؛ إما في فنادق أو أماكن إقامة تديرها سلطات محليّة لأسبوعين على الأقل. يقول تيو يك ينغ: كان من الضروري إبعادهم عن المجتمع للحيلولة دون تفشي الفيروس داخل العائلات.

الحجر لا يقتصر على الفيروس التاجي المصاحب لمتلازمة الشرق الأوسط التنُّفسيّة أو متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد، وإنما يمتد ليشمل العديد من الفيروسات الأخرى المنتمية لنوع مثيل

وفي البلدان التي فرضت إغلاقًا كاملاً مُشدَّدًا، كالصين وميانمار، لم تُعطِ السلطات مواطنيها الحرية سوى عندما توقف ظهور حالات عدوى جديدة لعدة أيام متعاقبة. يقول الخبير ينغ: في أوروبا، تُعيد بلدان فتح اقتصاداتها رغم أن لديها الآلاف من حالات العدوى الجديدة يوميًّا. وهذا لا يُجدي نفعًا.

ورغم أن العلماء يؤكدون ثِقَل هذه العوامل الاجتماعية السياسية وأهميتها، ما برحوا مذهولين بالأداء الاستثنائي لقارة آسيا، ويعكفون الآن على التفكر في تفسير أكثر نزوعًا للجانب الطبي: ماذا لو كان السكان الآسيويون أكثر مقاومةً بطبيعتهم للفيروس التاجيّ؟ أيمكن أن يكون هناك شكل ما من المناعة الآسيوية يرتبط بالأوبئة السابقة أو حتى خصائص وراثية بعينها؟

في طوكيو، اقتنع عدد من الباحثين بصحة هذه الفرضيات. وفي محاولة لتأكيدها، حلّلَ تاتسوهيكو كوداما Tatsuhiko Kodama من جامعة طوكيو الاستجابة المناعية لأكثر من 100 شخص أصيبوا بفيروس كورونا في اليابان خلال الأشهر القليلة الماضية. وفوجئ إذ اكتشف المستوى العالي لنوع محدد من الأجسام المناعية في دماء جميع مرضاه.

Share This