طارق‭ ‬راشد‭ – ‬باحث – 29 مارس 2021م

اتفاق‭ ‬على‭ ‬تأخر‭ ‬التطعيم‭ ‬واختلاف‭ ‬الأسباب

أُنشئ مركز التطعيم الجديد بمدينة ساربروكن غربي ألمانيا في وقت قياسي باستخدام قاعتي عرض قديمتين. وفي وجود أكثر من عشرة مكاتب تسجيل، وقاعتي انتظار كبيرتين تحتويان على مئات المقاعد، و36 كابينة منفصلة، وأطباء على أهبة الاستعداد للعمل، يتمتع هذا المركز بكل ما يحتاج إليه استقبال حشود الوافدين بطريقة منظمة تمامًا. لكنَّ المشكلة – كما ذكرت صحيفة دي فيلت اليومية الألمانية – أن أحدًا لم يحضر.

لم يُطعِّم المركز سوى 200 شخص في اليوم في الأسبوع الأول من يناير، أي ما يقارب عُشر طاقته الاستيعابية.

وفقًا لمعهد روبرت كوخ، قامت ألمانيا بتطعيم نحو 239 ألف شخص باللقاحات، منذ إطلاق حملتها في 27 ديسمبر، وهو عدد أقل بكثير من 1.3 مليون جرعة تسلمتها بنهاية 2020م.

كان التوصل إلى لقاحات متعددة لجائحة ابتُليت بها دول العالم في عام 2020م أشبه بالمعجزة  التي ينتظرها العالم، لكنَّ واقع تنفيذ حملة تطعيم عالمية غير مسبوقة لم يرْق إلى مستوى الإعجاز في دول كثيرة.

كان متوقعًا دائمًا أن تنطوي عملية تطعيم مليارات من الأشخاص على تحديات لا يمكن التغلب عليها؛ خصوصاً مع لقاح يلزم حفظه في درجات حرارة منخفضة للغاية، ويتطلب إعطاء جرعة ثانية معززة في غضون أسابيع.

وبينما نجد دولًا كثيرة ليست لديها، ببساطة، جرعات كافية في متناول يدها، تواجه دول أخرى نقصًا في فرق الرعاية الصحية، ونقصًا في البنية التحتية، وخصوصًا في المناطق الريفية والمناطق المحرومة، وتصاعدًا في الحركات المناهضة للتطعيم. ونقدم فيما يأتي بعض أكبر العقبات:

01- فوضى التوزيع:

في الولايات المتحدة الأمريكية، نتج من عدم وجود خطة تنفيذ فيدرالية ترك مهمة التوصل إلى كيفية توزيع اللقاح؛ بما في ذلك تحديد من تكون لهم الأولوية، لكل ولاية على حدة.

وأدى أمر تنفيذي أصدره حاكم فلوريدا رون ديسانتيس Ron DeSantis يسمح لأي شخص عمره 65 سنة فأكثر بالحصول على اللقاح إلى تدفق من يُدعون طيور الجليد الكنديون إلى ميامي للحصول على اللقاح.

• تضم الولاية واحدة من أكبر شريحة مسنين في أمريكا، وكثيرون من مسنيها البالغ عددهم 4.5 مليون يخيّمون في البرد انتظارًا للحصول على اللقاح. قال ستيف جيلر Steve Geller، عمدة مقاطعة بروارد، لشبكة إن بي سي ميامي التلفزيونية الأمريكية: يُبدي مسنون كثيرون ذعرهم لأنهم يظنون أننا وعدناهم بالحصول على اللقاح على الفور. والأمر ليس كذلك، لكنهم يشعرون الآن أن المسؤولين أخلفوا وعودهم.

  في ظل افتقار بعض الحكومات المحلية إلى البنية التحتية اللازمة، لجأت تلك الحكومات إلى خدمة إصدار التذاكر إيفنت برايت لتحديد مواعيد لتلقي اللقاحات، كما ذكر موقع فوكس الأمريكي.

ويستخدم مقدمو الخدمات الطبية الآخرون مناسبات فيسبوك وجوجل دوكس بدلاً من إنشاء أنظمة خاصة بهم لتحديد المواعيد. وعلى الرغم من أن هذا قد يثير مخاوف أمنية (رأينا صفحات إيفنت برايت مزيفة)، إلا أنه يقضي على الحشود الحتمية التي يتمخض عنها نموذج من يأتِ أولًا يتلقى الخدمة أولًا.

02- لا أحد يتولى المسؤولية:

كانت السويد من الدول التي تفتقر إلى استراتيجية تطعيم وطنية محددة الملامح. ففي مقال رأي نُشر في صحيفة أفتونبلاديت السويدية اليومية، وجّه حزب الديمقراطيين المسيحيين المعارض انتقادات شديدة لتحالف يسار الوسط الحاكم في السويد لإخفاقه في التصرف بشكل استباقي. وحذر الديمقراطيون المسيحيون من أن السويد قد ينتهي بها الأمر إلى ذيل قائمة الانتظار للحصول على اللقاح.

• يكمن جوهر هذه المشكلة في تعيين السويد منسقًا وطنيًّا للقاحات لا يتمتع بصلاحية التفاوض مع الشركات الطبية، إذ تعتمد الدولة على الشركات الصانعة الدولية؛ لافتقارها إلى القدرة الإنتاجية المحلية لتلبية الطلب الوطني على اللقاح.

03- تأخيرات في التسليم إلى المناطق الريفية:

تواجه كندا، ثاني أكبر دول العالم مساحة، عقبات لوجستية فريدة من نوعها في تسليم اللقاح، إذ جرى تسليم أكثر من 420 ألف جرعة إلى الأقاليم، لكن لم يُعط منها سوى نحو 28 في المئة.

• عندما يكون ثلاثة أرباع جرعات اللقاح التي حصلنا عليها ما زال قابعًا في المجمِّدات فهذا إخفاق ذريع على حد قول اختصاصي الإحصاء الحيوي رايان إمجروند Ryan Imgrund، العامل بهيئة الصحة العامة في أوتاوا، في حديث مع شبكة جلوبال نيوز التلفزيونية الكندية.

• في أونتاريو، كبرى المقاطعات الكندية، لا يتلقى التطعيم يوميًّا سوى نحو 5 آلاف شخص، وهذا يعني أن تطعيم المقاطعة بأكملها سيستغرق ثماني سنوات. وفيما سبق وضعت أونتاريو لنفسها هدف تطعيم 8.5 مليون شخص بحلول يونيو، أي أكثر من نصف سكانها البالغ عددهم 14.57 مليون نسمة.

04- القضايا المتعلقة بالسلامة:

على الرغم من أن الهند اعتمدت اثنين من اللقاحات المرشحة حتى الآن، إلا أن الأسئلة ما زالت تثار حول سلامتهما.

كانت أسترازينيكا قد أبرمت صفقة لتصنيع لقاحها من خلال معهد المصل الهندي. لكن مشاركًا في إحدى التجارب أصيب بآثار جانبية عصبية نتيجة اللقاح فرفع دعوى قضائية ضد المعهد، فيما تواجه أسترازينيكا تحديات قانونية في المملكة المتحدة على خلفية الانتقائية في البيانات.

وطُوّر اللقاح الآخر المعروف باسم كوفاكسين بمعرفة شركة بهارات بيوتيك بالتعاون مع هيئات حكومية، ويستند إلى شكل معطل المفعول من فيروس كورونا. ولم تُتم الشركة سوى مرحلتين من ثلاث مراحل تجريبية، وأما المرحلة الثالثة – التي تختبر الفاعلية – فبدأت في منتصف نوفمبر.

• وبالتالي، سيكون المسنون أول من يحصل على اللقاح، وربما أول من يواجه الآثار الجانبية؛ إذْ لم تُختبر اللقاحات لمعرفة ما إنْ كانت توفر الوقاية من الصور الشديدة لكوفيد 19 أم لا.

• كما كتب فاسوديفان موكونث Vasudevan Mukunth على موقع ذاو واير الإخباري الهندي: بمعنى آخر، بإفساد عملية التحقق من السلامة، تقوم الحكومة فعليًّا بالتجريب على الشريحة الأكثر عرضة للمعاناة التي ستتلقى اللقاحات المرشحة أولاً (الأشخاص من قبيل أجدادنا وما إلى ذلك)، وأما من يقلّ احتمال تعرضهم للمعاناة فسيكون الأمر أسهل عليهم. وهذا خطأ بكل تأكيد.

• هناك تحديات تواجه المسنين في إيطاليا أيضًا؛ إذ تواجه هذه الشريحة تحديات في الوصول إلى نقاط إعطاء اللقاحات. وبدأ أحد المستشفيات في روما في إرسال وحدات متنقلة تضم اختصاصيين طبيين للوصول إلى الأماكن النائية.

05- حالات النقص في الإمدادات:

قال كزافييه بيرتراند Xavier Bertrand، رئيس منطقة أوت دو فرانس، في حديث مع شبكة فرانس إنتر الإذاعية الفرنسية: المشكلة أن أوروبا ليس لديها لقاح خاص بها، مشيرًا إلى إخفاقات الحكومة. لدينا نصف السكان الفرنسيين يريدون التطعيم […] فمتى سيتمكن هؤلاء من ذلك؟

• وأضاف بيرتران قائلًا إنه كان يتوقع أن تضاهي فرنسا مستوى تحركات جارتها البريطانية: لدينا نحن أيضًا لقاح فرنسي يجب تطويره وهو سانوفي.

• وتؤكد صحيفة لوباريزيان الفرنسية أن الاتحاد الأوروبي طلب 400 مليون جرعة من سانوفي، سيذهب منها 90 مليوناً إلى فرنسا. ومن ثم، فتأخُّر الشركة في تسليم اللقاح عطّل خطط التطعيم الفرنسية بشدة، وهذا ما دفع بعضهم إلى التشكيك في قرار الحكومة الاعتماد على السوق المحلية فيما يتعلق بإنتاج اللقاح.

• إضافة إلى ذلك، قدّر أحد مستشاري رئيس الوزراء جان كاستيكس Jean Castex أن مخاطر الضياع تهدد ما بين 25 إلى 30% من 200 مليون جرعة لقاح طلبتها فرنسا، وفقًا لما ذكرته صحيفة لوفيجارو الفرنسية. فهناك 50 إلى 60 مليون جرعة معرضة للفساد لضرورة تخزينها عند درجة حرارة -70 درجة مئوية، وتنفيذ الحقن في غضون 5 أيام من سحبها من التخزين.

كما أسفر قرار الدولة بإعطاء الأولوية للمسنين أيضًا عن إبطاء حملات التطعيم بدرجة كبيرة، حيث يُشترط على دور رعاية المسنين الحصول على نماذج الموافقة من ساكنيها، وهي عملية قد تكون طويلة جدًا أحيانًا، كما ذكرت شبكة فرانس بلو الإذاعية.

06- حالات النقص في الأطباء:

أُلقي اللوم في تأخير التطعيم في إقليم لومبارديا شمال إيطاليا على تمتُّع الأطباء بعطلة من العمل. لكن جوليو جاليرا Giulio Gallera، رئيس خدمات الرعاية الاجتماعية في الإقليم، حذر من هستيريا في الأيام الأولى من برنامج التطعيم. وصرح جاليرا لصحيفة لاستامبا الإيطالية بقوله: شيء بغيض أن نرى الناس يصنّفون من قاموا بتطعيم أكبر عدد من الأشخاص حتى الآن، فلنقم بهذه المهمة في 15 أو 20 يومًا. عندنا أطباء وممرضات لديهم 50 يومًا من رصيد الإجازات المتأخرة، ولن أجبرهم على العودة من عطلاتهم لإجراء التطعيمات. لكننا سنلتزم بالجدول الزمني.

• في إسبانيا، جرى إعطاء 82,834 جرعة من لقاح فايزر بحلول 4 يناير. وتسلّمت الدولة إجمالاً 718,575 جرعة، منها 360 ألف جرعة تسلمتها في 3 يناير 2021م (على الرغم من بدء الحملة قبل عطلة عيد الميلاد). وأدى نقص الاختصاصيين الصحيين، الذي تفاقم على خلفية عطلة عيد الميلاد، إلى إبطاء عملية إعطاء التطعيمات لمدة أسبوع في معظم أنحاء الدولة.

• ثم هناك أيضًا مشكلات في الإنتاج واجهت الشركة الصانعة المتعددة الجنسيات فايزر. ثم جاء انتشار السلالة الفتاكة الجديدة من الفيروس في بريطانيا، وما تلا ذلك من إغلاق الحدود، وعدم موثوقية سلاسل الإمداد في مناطق عديدة، وعمليات الإغلاق، وحظر التجوال، وإغلاق المدارس، وتجاوز السعات الاستيعابية لمنظومات الرعاية الصحية.

Share This