عام كُتب فيه النصر لفيروس كوفيد-19…
أسباب فشل السّاسة في التعامل مع الأزمة
طارق راشد – باحث وإعلامي – 21 يونيو 2021م
في مواجهة فيروس بالغ الدقة، أخفق قادة العالم عدة مرات في القيام بما تقتضيه الضرورة لهزيمة الجائحة، أكان قدر آخر ممكنًا؟
متى أصبح حجم أزمة فيروس كورونا المُستجد حقيقيًا أول مرة؟ بالنسبة إلى بعضنا، بدا حجم الأزمة واضحًا لحظة أن ظهر رئيسهم أو رئيس وزرائهم على شاشات التلفزيون ليخاطب الأمة بخصوص الجائحة.
وقد رصد المصور الفوتوغرافي توماسو بونافينتورا هذه التجربة المشتركة في مشروعه «خطاب إلى الأمم»، وهو مجموعة صور لعشرات من قادة العالم لحظة ظهورهم على شاشات التلفزيون لمواجهة هذا العدو الجديد الخفي.
وبعدها بعامٍ واحد، وما برح الفيروس متواريًا إلى حدٍّ كبير بيننا، جدير بنا أن نتطلع مجددًا إلى تلك الوجوه. فقد أُصيب كثير من أصحاب تلك الوجوه بفيروس كوفيد- 19، بدايةً من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وانتهاءً بالرئيس البرازيلي جائير بولسونارو، وصولاً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وخسر بعضهم الآخر سلطته كرئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومؤخراً، لقي الرئيس التنزاني جون بومبيه ماغوفولي مصرعه عن عُمر 61 عامًا وسط تقارير غير مؤكدة بوفاته متأثرًا بفيروس كورونا المُستجد.
غير أنَّ مجموعة رؤساء الوزراء والرؤساء وأبناء العائلات المالكة وكبار القادة أوثق صلةً الآن حتى من ذي قبل كتذكِرة لنا بمدى عُقم القيادة السياسية في مواجهة أزمة صحية عالمية. فقد اتُّهمت الحكومات بسوء الإدارة وعدم الفعالية، وبما هو أسوأ حتى من ذلك، بدايةً من التعاطي مع سياسة ارتداء أقنعة الوجه وقواعد الإغلاق الكامل، وصولاً إلى خدمات الرعاية الصحية، وتوزيع اللقاحات.
وسيصدر التاريخ أحكامًا قاسية على بعض القادة (وقد بلغت أعداد الوفيات أرقامًا قياسية) لتهاونهم أمام تهديد فيروس كورونا، سواء بولسونارو الذي زعم أن الفيروس «محض خيال» من نسج وسائل الإعلام، أو دونالد ترامب الذي شبهه بالأنفلونزا، أو الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور الذي قال إنَّ التمائم والصلوات كافية لحمايته من الفيروس.

اتُّهمت الحكومات بسوء إدارة الأزمة وانعدام الكفاءة… وبما هو أسوأ من ذلك
كان النجاح العظيم في مواجهة الجائحة علميًّا بحتًا، إذ ابتكر الباحثون لقاحات في وقت قياسي أحيت الأمل في أنَّ الأزمة ستنتهي قريبًا. ولكن، حتى بعد أن بدا أنَّ الموقف العالمي يتحسّن ويصبح أسهل في التحكم فيه وإدارته، ما برحت الحكومات تخفق في التصرف بشكلٍ وافٍ.
في سلوفاكيا، اتُّهم رئيس الوزراء إيغور ماتوفيتش بإبرام صفقة سرية لشراء مليوني جرعة من لقاح سبوتنيك V الروسي الذي لم توافق عليه هيئات الصحة الأوروبية. وشهدت البيرو «فضيحة لقاحات» خاصة بها بعد أن اتضح أنَّ رئيسها – آنذاك – مارتن فيزكارا وزوجته وسياسيين آخرين حصلوا سرًّا على جرعات من اللقاح في أكتوبر 2020، أي قبل أن تُتاح اللقاحات لعامة الشعب.
إنَّ ضرورة الحفاظ على الأرواح وثقة المواطنين بالحكومات التي تتزعزع على المدى البعيد معرضتان للخطر الآن. ومع ذلك، فبعد مرور عام على الأزمة، يجدر بنا أن نضع التحدي الماثل أمامنا في منظوره السليم، ونُقر بالمعضلات المستحيلة التي تصدَّى لها قادتنا: إنقاذ الأرواح في مقابل إنقاذ الاقتصاد، وفرض القيود في مقابل السماح بممارسة الحريات.
بالنسبة إلى الفيلسوف الفرنسي بيير-هنري تافوالو، المواطنون الذي يسارعون إلى انتقاد قادتهم عليهم أن يسألوا أنفسهم السؤال الآتي: «ما كنت لأفعل لو كنت في مكانه؟». في مقابلة شخصية أجرتها له إذاعة فرنسا الثقافية، ذكر تافوالو الوحشة الشديدة للقيادة السياسية والطبيعة «المأساوية» لاتخاذ قرارات نيابةً عن الجمهور قائلاً: «في السياسة، لا يكون الاختيار أبدًا بين قرار سديد وآخر سيِّئ، وإنما بين قرار سيِّئ وآخر أسوأ. ولو أُتيح هذا الاختيار، لما كانت هناك حاجة للسياسة».
إنَّ الإحجام عن اتخاذ قرار في الفترات الطارئة ليس بخيار مطروح. يقول الفيلسوف الفرنسي: «هل تلك القرارات سديدة؟ أهي سيئة؟ لا تنبع المشكلة في تلك اللحظة، وإنما ستظهر لاحقًا. وقادتنا مسؤولون عن أفعالهم». في مارس 2022م، نعقد الآمال على أن ننظر إلى الجائحة في الماضي، وقد أمست فصلاً طواه التاريخ. ولكن، بغض النظر عن توقيت أو كيفية انتهائها، سندرس الطريقة التي قادنا بها القادة وبها تبعناهم لسنوات مقبلة.