كيف‭ ‬تساعد‭ ‬الاختبارات‭ ‬الوراثية‭ ‬

على‭ ‬اختيار‭ ‬مضادات‭ ‬الاكتئاب‭ ‬المناسبة؟

أ‭.‬ نور‭ ‬الأطرقجي صيدلة‭ ‬عقاقير‭ ‬ونباتات‭ ‬طبية‭ ‬–‭ ‬جامعة‭ ‬الموصل‭- ‬العراق

تعد مضادات الاكتئاب الخيار العلاجي الشائع لمن يعاني من الاكتئاب وتتوفر منها أنواع عديدة، ورغم فاعلية تلك الأدوية، إلا إن نسبة الذين يحصلون على فائدة علاجية وتحسن في الحالة النفسية لا تتجاوز 30-40 % من المرضى الذين يستخدمون هذه الأدوية، بينما يحصل البعض على استجابات جزئية أو قد لا تحصل استجابة على الإطلاق.

كذلك يواجه بعض المرضى الذين يتناولون مضادات الاكتئاب مشاكل صحية وآثار جانبية قد تدفعهم إلى عدم الالتزام بالدواء، يعزز ذلك الاحتياج الشديد لاستحداث آلية لاختيار الدواء المناسب وتحديد الجرعة المناسبة لكل حالة مرضية.

لذلك سيتناول هذا المقال أهمية الاختبارات الجينية (الوراثية) الدوائية ودورها في اختيار مضادات الاكتئاب المناسبة للمريض.

آلية اختيار مضاد الاكتئاب المناسب

إن اختيار مضاد الاكتئاب المناسب لحالة مريض معين قد يستغرق وقتًا طويلًا، وتعد طريقة التجربة والخطأ من الطرق التي يعتمدها الأطباء في أغلب الأحيان لمعرفة نجاح الدواء من عدمه.  عند تحديد مضاد الاكتئاب المناسب، سيضع الطبيب في الحسبان الأعراض التي يعانيها المريض والمشاكل الصحية والأدوية الأخرى التي يستخدمها.

ترفع الأدوية المضادة للاكتئاب مستوى بعض النواقل العصبية الكيميائية، مثل: السيروتونين، والنورايبنفرين، والدوبامين عند الوصلات العصبية.  ورغم تغير مستويات النواقل العصبية في بداية العلاج بمضادات الاكتئاب، إلا أن التأثير العلاجي للدواء والتحسّن في حالة المريض قد يتطلب في أغلب الأحيان عدة أسابيع أو مدة أطول من ذلك.

بالنسبة لتخفيف الآثار الجانبية الأولية، فمن المحتمل أن يحتاج المريض إلى تجربة عديد من مضادات الاكتئاب قبل أن يصل إلى الدواء المناسب، لكن من المهم الاستمرار في تناول الدواء.

علاقة الجينات بمضادات الاكتئاب

يستجيب كل مريض بشكل مختلف لمضاد اكتئاب معين، وقد يكون أكثر عرضة لأعراض جانبية معينة، وحتى نفس الجرعة من نفس الدواء يمكن أن تُحسّن حالة مريض، بينما لا تؤثر في حالة مريض آخر، وقد يناسب المريض مضاد اكتئاب واحد بشكل أفضل من مضاد اكتئاب آخر أو قد يستخدمهما سويًا.

فما هو السر في ذلك؟

السر يكمن في الحمض النووي واختلاف التركيبة الجينية بين الأشخاص، مما يؤثر في الاستجابة لمضادات الاكتئاب.

إذ تعد الجينات إحدى أسباب الإصابة بالاكتئاب، وكذلك تلعب دورًا في كيفية تأثير مضادات الاكتئاب على المريض، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن التباين في الجينات والصفات الوراثية يؤثر في فاعلية مضادات اكتئاب معينة وكذلك احتمالية حدوث آثار جانبية.

ومع ذلك، فقد تؤثر بعض العوامل الأخرى بجانب الجينات في الاستجابة للدواء، مثل: الجنس، والعمر، والتغذية، وتاريخ التدخين، والحمل.

ما هي الاختبارات الوراثية الدوائية؟ وما أهميتها؟

الاختبارات الوراثية الدوائية، أو اختبار الجينات الدوائي ويُطلق عليه أيضًا علم الوراثة الدوائي (Pharmacogenomics)، يتضمن دراسة التفاعل بين الجينات والدواء ودوره في استجابة الجسم للدواء، إذ تبحث هذه الاختبارات عن الاختلافات الجينية التي ستحدد ما إذا كان الدواء يمثِّل علاجًا فعالًا لهذا الشخص أو لا، أو أنَّه قد يسبب أعراضًا جانبية معينة.

تتضمن الاختبارات الجينية فحص الحمض النووي الخاص بالمريض، والجينات التي تشفر الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب (أيض) الدواء والتخلص منه، مثل: إنزيم السيتوكروم (CYP 450).

إن حدوث تباين وراثي في الجين المسؤول عن إنتاج إنزيم السيتوكروم يؤثر في وظيفته، حيث يسبب اختلافًا في سرعة استقلاب الأدوية ومدة بقاء الدواء في الجسم، مما يؤثر في فاعلية العلاج وإمكانية حدوث آثار جانبية، ولمعرفة سرعة أيض الدواء تُجرى تحاليل سيتوكروم (CYP450).

تهتم اختبارات الوراثة الدوائية بدراسة عدد من الإنزيمات، فمثلًا، يتضمن اختبار إنزيم السيتوكروم دراسة إنزيمات متعددة وتندرج جميعهـــا تحت السـيتوكروم 450، مثل: (CYP2D6) و(CYP2C19) اللذين يعالجان العديد من مضادات الاكتئاب، مثل: مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، والأدوية المضادة للاكتئاب ثلاثية الحلقات.

لقد أصبحت اختبارات السيتوكروم الجينية أكثر شيوعًا مع محاولة الأطباء فهم سبب فائدة مضادات الاكتئاب لبعض الأشخاص دون الآخرين.  وتجدر الإشارة إلى أن الاختبار الوراثي الدوائي يستخدم في حال فشل مضادات الاكتئاب الأولية في علاج المريض، إذ يستغرق الأمر عدة أشهر أو أكثر للعثور على مضاد الاكتئاب المناسب، الذي يختلف من مريض لآخر.

والجدير بالذكر، أن دراسة حديثة قُدمت نتائجها في مؤتمر الجمعية الأوروبية للطب النفسي (2022)، أفادت بأن استخدام الاختبارات الجينية للمرضى الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب الشديد (MDD) ساهم في تحديد الخيار العلاجي الأمثل من المحاولة الأولى، وكذلك في تقليل تكاليف الرعاية الصحية.

يعد إجراء الاختبارات الوراثية للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب محاولةً لتطبيق العلاج الشخصي، ويُقصد به العلاج الذي يلائم حالة المريض الخاصة، وتتلخص أهمية الاختبارات الوراثية في اختيار مضادات الاكتئاب فيما يلي:

  • سرعة تحديد الدواء المناسب الذي يُعالج في جسم المريض بشكل   مثالي، وبالتالي تحسين فاعليته.
  • تحديد الجرعة المناسبة الأكثر فاعلية.
  • تجنب الآثار الجانبية التي قد تدفع المريض لإيقاف الدواء.

ويُستخدم الاختبار الجيني الدوائي في مجالات طبية أخرى، فعلى سبيل المثال، يمكن لاختبار السيتوكروم أن يساهم في تحديد ما إذا كانت بعض أدوية السرطان، مثل دواء تاموكسيفين لعلاج سرطان الثدي أكثر فاعلية، كذلك قد يساعد اختبار (CYP2C9) على تحديد الجرعات المناسبة من دواء الوارفارين المسيل للدم للحد من مخاطر آثاره الجانبية.

كيفية إجراء الاختبار الوراثي

يتطلب إجراء تحاليل سيتوكروم 450 الحصول على المادة الوراثية (DNA) بإحدى هذه الطرق الثلاث:

  • عينة الدم: تسحب عينة دم وريدية من الذراع غالبًا.
  • عيّنة من اللعّاب.
  • أخذ مسحة من باطن الخدّ: تستخدم أداة خاصة لمسح باطن الخدّ للحصول على الخلايا، وتُستخلص منها المادة الوراثية.
  • تُرسل العينة إلى المختبر لتحليل الحمض النووي والبحث عن جينات خاصة مرتبطة بكيفية الاستجابة لدواء معين، وتظهر النتائج بعد عدةِ أيام أو أسبوع.

تفسير نتائج الاختبار الوراثي

يعطي اختبار السيتوكروم 450 أدلة حول مدى سرعة الجسم وكفاءته في استقلاب الدواء والتخلص منه.  على سبيل المثال يمكن تقسيم الأشخاص إلى مجموعات وفقًا لنتائج اختبار (CYP2C6)، كالآتي:

الأيض الضعيف: يعني أن الجسم يستقلب الدواء ببطء مما يسبب بقاء الدواء وتراكمه في الجسم وحدوث الآثار الجانبية، ويرتبط الأيض الضعيف بانخفاض مستوى الإنزيم أو انعدام وجوده. ومع ذلك من الممكن أن يكون الدواء مفيدًا للمريض، لكن يجب وصفه بجرعات منخفضة.

الأيض المتوسط: يعني انخفاض وظيفة الإنزيم عن المعدل الطبيعي، مما يجعل قدرة الجسم للأفراد ضمن هذه المجموعة على استقلاب الأدوية ومعالجتها أقل، مقارنةً بالأفراد الذين يُصنّفون ضمن مجموعة الأيض الطبيعي.

الأيض الطبيعي: يسمى أيضًا (الأيض الشامل)، ويعني أن وظائف الإنزيم طبيعية، وأن الجسم قادر على استقلاب مضادات الاكتئاب والتخلص منها بطريقة طبيعية، وغالبًا ما تكون الآثار الجانبية الناتجة عن العلاج أقل، مقارنةً بمجموعة الأفراد ضمن الأيض المتوسط أو الضعيف.

الأيض فائق السرعة: يعني أن مستوى نشاط الإنزيم أعلى من الطبيعي، مما يدل على أنَّ معدّل استقلاب الدواء في الجسم سريع جدًا؛ أي أنَّ الدواء يترك الجسم بسرعة قبل أداء وظائفه العلاجية، وهذا يعني أن المريض يحتاج لجرعات دواء أعلى من الجرعات المعتادة.

تجدر الإشارة إلى أن إنزيم (CYP2C6) يشارك في استقلاب مضادات الاكتئاب التالية:

  • فلوكسيتين.
  • باروكسيتين.
  • فلوفوكسامين
  • فينلافاكسين.
  • مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات، مثل: أميتريبتيلين، وكلوميبرامين، ونورتريبتيلين، وديسيبرامين، وإيميبرامين.

كذلك يشارك إنزيم (CYP2C19) في عملية استقلاب مضادات الاكتئاب سيتالوبرام واسيتالوبرام.

وجدت دراسة حديثة أجراها باحثون في الولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، أن الاختبارات الجينية الدوائية (Pharmacogenetic Tests) توفر معلومات مفيدة حول كيفية استقلاب المريض للدواء ويمكن أن تساعد الأطباء على تجنب وصف مضادات الاكتئاب التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها.

وجد الباحثون في هذه الدراسة أن المرضى المصابين باضطراب الاكتئاب الشديد ممن خضعوا للاختبار الجيني (اختبار السيتوكروم 450)، قد حققوا نتائج إيجابية وتحسّنًا في أعراض الاكتئاب، مقارنةً بالمرضى الذين تلقوا رعاية اعتيادية.

ختامًا، نذكر بأن هذا ليس إلا غيضٌ من فيض، فيما يتعلق بتطبيقات علم الصيدلة الجينية الذي من شأنه تحقيق استجابة أكبر للعلاج عبر اختيار الدواء الملائم والأكثر أمانًا وتحديد الجرعة المناسبة، وتقليل عدد الأدوية التي يستخدمها المريض للحصول على التأثير العلاجي المطلوب؛ مما يؤدي إلى تخفيف الأعراض الجانبية، فضلًا عن تقليل فترة وتكاليف العلاج.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن استخدام الاختبارات الوراثية في تحسين الرعاية الصحية ما زال في بداياته وفي طور التجربة، ولم يصبح عملًا روتينيًا يلجأ إليه الأطباء في وصف الأدوية.

Share This