محاكاة العمليات الحيوية:

التعلُّم‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬لخلق‭ ‬تقنية‭ ‬جــديدة

طارق‭ ‬راشد‭ – ‬باحث‭ ‬وإعلامي – 21 يونيو 2021م

إنه لعجب أشبه بذاك الذي يصيب الأطفال أن نكتشف كيف أنَّ النباتات والحيوانات ليست بطاطس وماشية وحسب، وإنما كائنات عبقرية، فخيوط الحرير التي تحيكها العنكبوت أقوى 10 مرات من ألياف الكيفلار، ومع ذلك فهي مطّاطة بشكل مذهل، وورقة اللوتس مُصممة لتنزلق من عليها مياه الأمطار والأوساخ لتتم عملية التخليق الضوئي بسلاسة داخلها، والفراشة المُتحولة تمتص أشعة الشمس، والدببة تدخل في بيات طويل دون أن تفقد قوة عضلاتها.

وعجائب الطبيعة التي لطالما تجاهلها البشر ترصدها الآن عن كثب مجموعة كبيرة من العلماء والمهندسين والأطباء والمستثمرين.

لقد خُلقت الحياة على الأرض لأكثر من 3.5 مليارات سنة، ولم تتوقف الطبيعة التي لم تكف عن تحديث ذاتها عن التطور قط. وعلى مدار القرنين الماضيين، عكف البشر على استخدام التكنولوجيا لإجبار الطبيعية على إنتاج المزيد من الطعام والمواد. ونجحوا في مسعاهم، لكنهم أضرُّوا بالطبيعة في الوقت عينه.

وقد نشأ مفهوم استلهام الطبيعة، أو «الإلهام الحيوي»، منذ مدّة. فقد استلهم مخترع الطائرة تصميمه أجنحة الطيور وديناميكا الهواء المتعلقة بطيرانها. وما عُدَّ في السابق استثناءً اكتسب بُعدًا جديدًا، وهذه النظرة للعلاقة بين العلم والطبيعة أدت إلى نشوء تخصص جديد يُعرف باسم «محاكاة العمليات الحيوية» يُمهد الطريق أمام مصدر فريد للتطور البسيط والفعال. وستساعد محاكاة العمليات الحيوية على التعاطي مع ضرورات القرن الحادي والعشرين إلى جانب علم الوراثة والحوسبة الكميَّة والذكاء الاصطناعي والاندماج النووي.

التوفيق بين التكنولوجيا وعلم البيئة

على الرغم من أنَّ هذا التخصص ما زال في مهده، فإننا نعلم بالفعل أنه سيتمتع بمستقبل عظيم، وسيمكنه في نهاية المطاف من التوفيق بين التكنولوجيا وعلم البيئة. وعلم البيئة من دون التكنولوجيا سيبوء بالفشل، والتكنولوجيا التي لا تحترم الكوكب سيؤول بها المآل إلى الهلاك. إننا بحاجة إلى تبني هذا المبدأ «في مفترق طرق العلم والبيئة والفلسفة»، بحسب ما جاء على لسان ألون رينودا رئيس شركة NewCorp Conseil للإبداع.

في فرنسا، ثمَّة مقومات البدء، حيث تملك ثاني أضخم احتياطي للتنوع البيولوجي في العالم، وأبحاث أكاديمية على أعلى مستوى، وشركات ناشئة، وطائفة من الشغوفين الذين أسسوا بالفعل شبكة أساسية. هكذا صرحت كالينا راسكِن المهندسة الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم الأحياء والمشارِكَة في تأسيس شركة Ceebios، وهي مركز للتحكم يربط ما بين المعامل والصناعة. وبرغم ذلك، فإنَّ الولايات المتحدة وألمانيا واليابان والصين تخطو بخطى حثيثة في هذا الاتجاه، فقد تلكأت الهيئات العامة في فرنسا في فهم أهميته.

خيمة إيليترا الخيطيّة المستوحاة من مبادئ البناء بمواد خفيفة الوزن موجودة في الطبيعة وتحاكي البِنى المفتولة لأغطية الأجنحة الأمامية للخنفساء الطائرة المعروفة باسم «إيليترا»

تقول كريستيل روجيه مؤسِّسَة شركة Myceco إنَّ الجانب المتعدد التخصصات لمحاكاة العمليات الحيوية يعني أنَّ هذا التخصص غالبًا ما لا ينضوي تحت أي هيئة حكومية واحدة.

تقول روجيه واصفةً هذا التخصص: «فهو لا يستوفي جميع الجوانب». وبرغم ذلك، فقد أمسى أكثر محوريَّةً في القطاع الخاص، إذ أصبح هناك وجود لأبحاث محاكاة العمليات الحيوية ومنتجاتها بالفعل لدى القليل من الشركات الكبرى، مثل لوريال، وآيرباص، وداسو.

منذ عام 2014م، تأسست نحو 30 شركة ناشئة في هذا الميدان بتمويلٍ إجمالي قدره 450 مليون يورو، بحسب تصريح ألون رينودا الذي قال: «برغم ذلك فإنَّ محاكاة العمليات الحيوية يستحق 10 أضعاف هذا الاستثمار».ومن المُقدَّر أن يحقِّق الإلهام البيولوجي تقدُّمًا كبيرًا في مجالات الطب والزراعة والمواد والصناعة. وبالنسبة إلى أولئك الذي يدركون احتياجات هذا البلد، ستخلق محاكاة العمليات الحيوية إمكانات عظيمة في عصر جديد من التصنيع، فالطبيعة ليست سخية وذكية وحسب، وإنما بوسعها أيضًا تجديد الرأسمالية عبر إمدادها بكنز الإنتاجية والربح.

Share This