التقاويم ورصدُ الأهلَّة
د. زكي بن عبدالرحمن المصطفى - أستاذ علم الفلك
التاريخ لغةً: أرَّخ الكتاب ليوم كذا: وقَّتَهُ، وأَرَّخْتُ الكتابَ: إذا جعلتُ له تاريخًا. وتاريخ كل شيءٍ غايتُه ووقته الذي ينتهي إليه. والتأريخ: تعريفُ الوقت، ومثله التَّوريخُ. أما تعريف التاريخ اصطلاحًا فهو مجموع الأحوال والأحداث في زمنٍ ما.
بهذا فالتاريخ هو تسجيلٌ لما يقعُ لأمةٍ من الأمم من أحداثٍ ماديةٍ وسياسيةٍ ودينيةٍ وغيرها، بحيث يُصبح هذا التسجيل تراثًا يربط حاضرَ أمةٍ بماضيها، ويُظهر كيفية تطورها، أو انتقالها من حالٍ إلى حال.
كما أنَّه يشمل بذلك التعريف الكائنات الحيّة وغيرها، فيُقال مثلًا: تاريخ عمر الكون، أو تاريخ الكائنات الفلانيّة، أو تاريخ صحراء كذا، وغيره.
ويظهر من معظم كتب اللغة قديمًا وحديثًا جعل التاريخ والتأريخ بمعنىً واحد، لكن جاء في المعجم الوسيط: «التاريخُ جملةُ الأحوال والأحداث التي يمرُّ بها كائنٌ ما، ويصدقُ على الفردِ والمجتمع، كما يصدقُ على الظواهر الطبيعية والإنسانية، وفي المقابل فإن التأريخُ هو تسجيل هذه الأحوال».
اهتمَّت الحضارات الإنسانيّة على مرّ العصور بقياس الزمن، وهذا ما تطلَّب منها إيجاد تسجيل تقاويم زمنيّة تعتمد على ظواهر طبيعيّة، منها تغيّر مواقع شروق الشمس وغروبها خلال العام الناتج عن دوران الأرض حول الشمس (السنة الشمسيّة)، وثبات ميلان محور دورانها حول محورها على مدارها حول الشمس. أو حركة القمر حول الأرض (الشهر)، أو ربما جُمِعَ بين الحركتين؛ فأدى إلى تعدّد أنواع السنوات من شمسيّة إلى قمريّة، فكانت الأنواع المتعدّدة من التقاويم التي انتشرت في أرجاء المعمورة، وتداولتها الحضارات المختلفة منذ العصر البابلي إلى يومنا هذا.
ولأنَّ السنة الشمسية تحتوي على 365.25 يومًا تقريبًا، فإنَّ عدد الأشهر القمريّة التي تتفق مع السنة الشمسيّة يكون اثني عشر شهرًا، وربما كان هذا هو سبب اختيار هذا الرقم؛ لأنه يجعل السنة القمريّة مقاربة للسنة الشمسيّة، وقد كان هذا الاستخدام منذ الحضارات القديمة، واستخدمه العرب مثل الذين سبقوهم حتى أتى الإسلام، فأقرّ هذا العدد كما أوضحته الآية الكريمة: إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ
أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ (التوبة: 36). وهنا سوف نستعرض بعض التقاويم المستخدمة إلى يومنا، مثل الهجري، والميلادي، والقبطي، والسرياني (الرومي)، والفارسي، والصيني.

التعديل الغريغوري
قرَّر الفاتيكان غريغوريوس الثالث عشر الأخذ بنصيحة الفلكي أليسيوس ليليوس، ومن بعده الفلكي كريستوفر كلافيوس، بحيث يتم حساب التقويم على أساس أنَّ السنة تتألف من 365 يومًا، و5 ساعات، و49 دقيقة، أي إنها تقلّ عن السنة في التقويم اليولياني بأحد عشر دقيقة، ويعني هذا أن يتقدّم التقويم اليولياني عن الواقع يومًا واحدًا كل 131 سنة تقريبًا، ويتقدّم 3 أيام كل 393 سنة، فصدر مرسوم بابوي باعتماد إصلاح التقويم اليولياني على النحو الآتي:
-1 تُحذف 10 أيام من التقويم، ويتقدّم التقويم من يوم 4 أكتوبر 1582 مباشرة إلى يوم 15 أكتوبر 1582.
-2 يُضاف يوم كل 4 سنوات لكلِّ سنة يقبل رقما الآحاد والعشرات فيها القسمة على 4، تمامًا كما هو الحال في التقويم اليولياني.
-3 يُستثنى من ذلك السنوات المئويّة التي لا تقبل القسمة على 400، مثل 1700؛ 1800؛ 1900؛ 2100، ..إلخ حيث تكون كلها سنوات بسيطة، في حين تكون السنوات المئوية القابلة للقسمة على 400 هي فقط السنوات الكبيسة، مثل 1600؛ 2000؛ 2400؛ إلخ.
في بداية الأمر رفضت الدول غير الكاثوليكيّة هذا التقويم، ولكن مع مرور الوقت فرض هذا التقويم نفسه مدنيًّا، فقبلته جميع الدول في القرن العشرين، إلا أنَّ القيادات الدينيّة لم تقبله في الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة والكنائس الأرثوذكسيّة الروميّة، واستمروا على استعمال التقويم اليولياني، الذي أصبح الفرق بينه وبين التقويم الغريغوري حاليًا 13 يومًا. لذلك فحسب التقويم الغريغوري المستعمل يعيّد المسيحيون الشرقيون في 7 يناير مع أنَّ الجميع يعيِّد في 25 ديسمبر، ولكن كل حسب تقويمه.
التقويم القبطي (السكندري)
هو تقويم تستعمله الكنيسة الأرثوذكسيّة في مصر، وظهر نتيجة قيام بطليموس الثالث في العام 238 قبل الميلاد بإحداث تغييرات في التقويم المصري القديم لم تعجب الكهنة المصريين، فأُجهض المشروع. ولكن جرت إعادة تطبيقه مرة أخرى في العام 25 قبل الميلاد على يد الإمبراطور أغسطس الذي غيّر تمامًا من التقويم المصري ليتزامن مع التقويم اليولياني الجديد (وهو أساس التقويم القريقوري المستخدم في الغرب اليوم). وبذلك وجد التقويم القبطي الذي تعمل به الكنيسة الأرثوذكسية المصرية حتى اليوم، الذي يختلف عن التقويم المصري القديم.
التقويم القبطي تقويم شمسي عدد أيامه 365.25 يومًا، وقد استُخدم فيه عمليتا الكبس والبسط، وبداية هذا التقويم في 29 أغسطس 284م الموافق يوم الجمعة، وعدد أشهره ثلاثة عشر متساوية في عدد الأيام بحيث يكون عدد الأيام في السنة 360 يومًا، ثم تضاف خمسة أيام في السنة البسيطة أو ستة في الكبيسة، وتدعى هذه الأيام باللواحق. وتُستخدم الأشهر القبطيّة في مصر مرادفة للأشهر الميلاديَّة، وهي على التوالي: توتُ، بابة، هـاتور، كياهـك، طـــوبة، أمشــــير، برمـهات، برمودة، بشنس، بؤونـة، أبيب، مسرى، نسيئ.
السنة المصرية القديمة

التقاويم الشمسية
التقويم الميلادي (اليولياني والقريقوري)
اعتمد التقويم الميلادي على مناسبة خاصة، وهو ميلاد نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذ عُدّ هذا الحدث بداية لهذا التقويم، وكان أول يوم فيه يوم السبت. وهو تقويم شمسي يعتمد على فترة دوران الأرض حول الشمس دورة كاملة، وهي دورة معروفة ومقدّرة بثلاثمئة وخمسة وستين يومًا وزيادة ربع يوم تقريبًا. عدد الأشهر في هذا التقويم اثنا عشر شهرًا، وعدد أيام السنة الميلادية 365 يومًا في السنة البسيطة و366 في السنة الكبيسة. ولمزيد من الدقة فإنَّ التقاويم: الميلادي واليولياني والقريقوري ليست تقويمًا واحدًا وإنما ثلاثة تقاويم فيها نسبة اختلاف.
التقويم اليولياني
بعد احتلال الإمبراطوريّة الرومانيّة مصر، قرروا الاستفادة من علوم المصريين الفراعنة الفلكيّة الذين كانوا بارعين فيه، فأمر يوليوس قيصر بتعديل التقويم الروماني القديم بالاستعانة بأحد الفلكيين الإسكندريين يدعى سوسيجنيو، فجعل السنة العادية 365 يومًا والكبيسة 366 يومًا، على أن تكون السنة الكبيسة كل أربع سنوات على أساس أنَّ السنة 365.25 يومًا، وجعل عدد أيام الأشهر الفردية 31 يومًا والزوجية 30 يومًا عدا شهر فبراير فيكون في السنة العادية 28 يومًا، وفي الكبيسة 29 يومًا، ولقد دخل التقويم اليولياني حيِّز التنفيذ في سنة 45ق.م .
بعد تولِّي القيصر يوليوس، زمام حكم الإمبراطورية أمر بتسمية أحد الأشهر باسمه، واختار الشهر السابع فسُمِّي يوليو، ثم في سنة 33 ق.م، وبعد تولي القيصر أغسطس (أكتافيوس) سُمِّيَ الشهر الثامن باسمه، ولكيلا يكون شهر يوليوس (يوليو) أكبر من شهر أغسطس زادوا في الشهر الثامن يومًا على حساب شهر فبراير، ثم عدلوا عدد أيام الشهور بعد أغسطس لكي لا تتوالى ثلاثة أشهر بنفس الطول (يوليو-أغسطس- سبتمبر) فعكسوا القاعدة، فصار سبتمبر 30 يومًا، وأكتوبر 31 يومًا، ونوفمبر 30 يومًا، وديسمبر 31 يومًا.
التقويم الميلادي
نجح الراهب الأرمني ديونيسيوس اكسيجونوس في دعوته بوجوب ارتباط بداية التقويم بميلاد المسيح عليه السلام، وعليه أصبحت السنون منذ عام 532م تعتمد على ميلاد سيدنا المسيح عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم التسليم. وبهذا التغيير ولد التقويم الميلادي على حساب التقويمين اليولياني والروماني القديم.
التقويم السرياني) الرومي)

السنة المصرية القديمة
التقويم السرياني ( الرومي )
يعدُّ هذا التقويم من أقدم التقاويم، وقد وضعه أحد قادة الإسكندر المقدوني الذي اختصّ بسورية بعد موته. وهو تقويم شمسي، وبدايته يوم الاثنين، ويتقدّم هذا التقويم على الميلادي بـ 311 سنة وثلاثة أشهر، لذا فإنّ بداية السنة السريانيّة تتفق مع أول أكتوبر من السنة الميلادية، وليس هناك أيُّ اختلافٍ بين هذين التقويمين إلا في أسماء الشهور، كما أنَّ أسماء الشهور أصلها بابلي، وهي على التوالي: تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول.
وعدد أيام السنة السريانية 365.25 يومًا، وتكون السنة البسيطة 365 يومًا، بينما الكبيسة 366 يومًا، ويكون الكبس في شهر شباط، ووزِّعت الأيام على أشهرها كما يأتي:
التقويم الفارسي
وهو تقويم شمسي عدد أيام سنته 365 يومًا اعتُمِد في فارس، وينسب إلى يزد جرد شهريار بن كسرى انوشروان، آخر ملوك الفرس بالمدائن.
ويبدأ هذا التقويم بيوم الثلاثاء الموافق 16 يونية سنة 632 يوليانية. ويُطلق على رأس السنة اسم النيروز؛ أي: الجديد.
وأشهر التقويم الفارسي بالترتيب هي: فروردين ماه، أرديبهشت، خرداد، تير، مردا، شهريور، مهر، آبان، آذر، دى، بهمن، اسفندار، كل شهر ثلاثون يومًا، ثم تُزاد آخر السنة خمسة أيام تسمى اللواحق.
التقويم الصيني
اعتمد الصينيون التقويم الشمسي، وعدد أيامه 365.25 يومًا، وذلك قبل الرومان بعدة قرون، بل إنَّ دقتهم في قياس طولها كان 365.2425 يومًا، وذلك قبل نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، ثمَّ قام الفلكي الصيني سينغ يون لو في عام 1608م بتحديد طول السنة بـ 365.24219 يومًا؛ أي بدقة تصل إلى 0.00001. وقد توقف العمل بالتقويم الصيني والتحوّل إلى الميلادي سنة 1873م.
التقويم الجلالي
أمر السلطان السلجوقي جلال الدين شاه في سنة 468هـ بوضع تقويم شمسي متوسط سنته 365.2424 يومًا (365 يومًا و5 ساعات و49 دقيقة و5.45 ثانية)، وهي بذلك تزيد على السنة الشمسيّة بمقدار 19.45 ثانية، بينما يزيد متوسط السنة القريقورية على السنة الشمسيّة بمقدار 26 ثانية، وهذا يشير إلى أنها أقرب للدقة من القريقوريّة. وتحتوي السنة الجلاليّة على 12 شهرًا، بطول 30 يومًا لكل شهر مع إضافة خمسة أيام للسنوات البسيطة، وستة أيام للسنوات الكبيسة. ودورة الكبس 33 سنة فيها ثماني سنوات كبيسة. والسنوات الكبيسة في كل دورة هي 4، 8، 12، 16، 20، 24، 28، 33. وتبدأ سنة التقويم الجلالي بيوم النيروز، وهو يوم الاعتدال الربيعي، حيث تكون الشمس في أول برج الحمل.


الأشهر القمريّة
معظم الحضارات القديمة اتخذت القمر أساسًا لتحديد الأشهر والسنين، لسهولة متابعته وملاحظة التغيّر المستمر والسريع في أوجهه، وهذا يعني أنها اعتمدت بشكل أو بآخر على التقويم القمري.
يُعتقد أنَّ الحضارة البابلية هي أول من قسّم الأسبوع إلى سبعة أيام؛ استنادًا إلى طول الشهر القمري، ثم تبعهم الصينيون فالمصريون القدامى، ثم الهنود، وتلاهم العرب قبل الإسلام، ولارتباط الشعائر الإسلاميّة بالشهر القمري، فالحضارة الإسلاميًة من أشهر الحضارات الحديثة استخدامًا للتقاويم القمرية، ولقد حافظت المملكة العربيّة السعوديّة منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – على استخدام التقويم القمري بوصفها امتدادًا للحضارة الإسلامية، وراعية الإرث الإسلامي، إذ أمر -يرحمه الله- بطبع كتاب «تقويم الأوقات لعرض نجد»، وكتاب « تقويم الأوقات لعرض المملكة العربيّة السعوديّة»، وهذان الكتابان هما اللبنة الأولى للتقويم في السعوديًة، إذ دمجا رسميًّا بتقويم أم القرى، وصدر أول عدد من تقويم أم القرى في عام 1346هـ من مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، واستمر يُطبع هناك حتى عام 1399هـ، حيث صدر الأمر بتولي مصلحة مطابع الحكومة بالرياض مسؤولية طباعة تقويم أم القرى.
يعدّ الشهر القمري أحد الوحدات الطبيعيّة لقياس الزمن، إذ إنَّ حركة القمر واختلاف شكله يوميًّا يمثلان دورة طبيعيّة للشهر، وهذه الحركة ناتجة من دوران القمر حول الأرض من الغرب إلى الشرق، وهذه التغيّرات الظاهرية في شكله تدعى بأطوار القمر.
في أثناء دوران القمر حول الأرض يحدث أن يقع بين الأرض والشمس فيكون غير مرئي، في هذه الحالة يكون القمر في وضع يُسمَّى بالمحاق الذي يسبق مولد الشهر الجديد، ويظهر فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس مباشرةً كقلامة الظفر في أول الشهر.
يبدأ حجم الهلال في الزيادة، ويسمَّى بالقمر المتنامي، وبعد أن يكمل ربع دورة حول الأرض يصل الهلال المتنامي إلى طور التربيع الأول. وفي هذه الحالة يكون بزاوية 90 درجة شرق الشمس، بعد هذا يستمرّ نموه من التربيع الأول ويدعى بمرحلة التحدُب المتزايد ليصل إلى وضع يقابل فيه الشمس، فعندها يكون القمر مضاءً كليًّا، وفي هذه الحالة يدعى بدرًا، وفيها يبزغ القمر شارقًا في الأفق الشرقي في أثناء غروب الشمس في الأفق الغربي، ثم يدعى بالتحدُّب المتناقص، وذلك خلال أطواره من مرحلة البدر إلى مرحلة التربيع الأخير، ومن مرحلة التربيع الأخير إلى مرحلة الهلال المتناقص.
يتحاذى القمر مع الشمس مرة أخرى بعد فترة متوسطها تقريبًا تسعة وعشرون يومًا ونصف اليوم، وهي الدورة من المحاق إلى المحاق مرة أخرى، وتسمّى بالمدّة الاقترانيّة.
التأريخ قبل الإسلام
كان العرب قبل الإسلام يستخدمون السنة القمريًة، وفيها 12 شهرًا قمريًّا، وكانت الطريقة التي يتبعونها لبداية التاريخ هي التأريخ بالحوادث المهمة التي تمرُّ عليهم مثل:
-1 انهيار سد مأرب في اليمن، عام 120 ق.م.
-2 وفاة كعب بن لؤي جد الرسول صلى الله عليه وسلم، عام 59 ق.م.
-3 عام العذر، سنة 461م.
-4 عام الفيل 571م، وهو عام ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم.
-5 حرب الفجار، عام 586م.
-6 إعادة بناء الكعبة في عهد عبد المطلب، جد الرسول صلى الله عليه وسلم، عام 605م، قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمسة اعوام.
كان العرب قبل الإسلام يستخدمون أسماء الشهور التي تختلف عمّا عليه الآن، وهي المؤتمر (محرم)، ناجر، خوان، صوان، حنين، ربى، الأصم (رجب)، عادل، نافق، واغل، ورنة، برك (ذو الحجة).
وبعد مجيء الإسلام استمرّ العرب مدّة من الزمن على ما كانوا عليه يؤرخون بالأحداث المهمة، وحتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

التقويم الهجري
كان آخر الأحداث المهمة قبل بعثة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، التي كانوا يؤرخون بها هي تجديد بناء الكعبة في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم.
واستمرّت عادة استخدام الأحداث في تحديد السنوات، فأُطلق على السنوات التي تلت عام الهجرة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أسماء كما يأتي: السنة الأولى سنة الإذن (بالهجرة)، والثانية سنة الأمر (بالقتال)، والثالثة (التمحيص)، والرابعة (الترفئة)، والخامسة (الزلزال)، والسادسة (الاستئناس)، والسابعة (الاستغلاب)، والثامنة (الاستواء)، والتاسعة (البراءة) (براءة الله ورسوله من المشركين)، والعاشرة (الوداع) (حجة الوداع؛ وهي حجته صلى الله عليه وسلم الأخيرة).
واستمرّ الوضع إلى أن دعت الحاجة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى استحداث تاريخ خاص بالأمة الإسلاميّة، حيث نبهه إلى ذلك عامله على البصرة أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كاتبًا له يقول: «إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب، فلا ندري على أيٍّ نعمل، وقد قرأنا كتابًا محله شعبان فلا ندري أهو الذي نحن فيه أم الماضي»، فاجتمع الصحابة لهذا الأمر، وكان الرأي لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والذي أقرَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بأن يبدأ التاريخ بعام الهجرة، وبرغم أن الهجرة كانت يوم الاثنين 8 ربيع الأول، إلا أن هذا الشهر لم يستخدم ليكون بداية للسنة، بل تم تحديد أول شهر محرم؛ لأنه منصرف الناس من حجهم، وقد وافق أول أيام ذلك العام يوم الخميس الموافق 15 يوليو سنة 622 ميلادي.
اختلفت المراجع في اليوم الموافق لغرَّة محرم لأول سنة للهجرة، فبعضهم يرجِّح يوم الخميس، وبعضهم الآخر يوم الجمعة، وقد أفرد الأستاذ محمد محمد فياض في كتابه «التقاويم» 1958م فصلًا بعنوان «الخميس أو الجمعة» توصَّل فيه إلى أنَّ الحساب الاصطلاحي يرى بدء التاريخ الهجري هو يوم الخميس.
التقويم الاصطلاحي
بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتشعَّبت أمور الحياة العامة استوجب وجود تقويم سنوي تنتظم به الحياة العامة؛ لذا جرى استحداث تقويم اصطلاحي قمري يحتوي على 12 شهرًا، قُسِّمت الأشهر إلى نوعين: أشهر فرديّة (30يومًا)، وأشهر زوجيًة (29يومًا)، فالفردية هي محرم وربيع الأول وجمادى الأولى، وهكذا، أما الزوجيّة، فهي: صفر وربيع الآخر وجمادى الآخرة إلى آخر السنة. وهكذا أصبح هنالك تقويم يصدر مع بداية كل عام لينظِّم شؤون الدولة العامة. لكن مثل هذه الافتراضات (شهر29 وشهر 30) لم تكن دقيقة، وهذا ما تسبب في حدوث إشكالات بخصوص اتفاق بداية الأشهر مع رؤية الأهلَّة؛ لأنَّ القيمة الدقيقة للفترة الزمنية المتوسطة لدوران القمر حول الأرض تساوي 29.530588 يومًا، أي أنَّ السنة القمرية تحتوي على 354.3677 يومًا.
ولأنَّ السنة لا بدّ أن تحتوي على أيام كاملة فقد عُدّ أنَّ السنة تحتوي على 354 يومًا، أما الكسر المتبقي فقد وجد أنه يتجمع ليكون نحو 11 يومًا كل 30 سنة قمريّة، ويطلق عليه الدور الصغير، وهو يحتوي على عدد متكامل من الأيام وعددها 10631 يومًا.
وقد جرى الاتفاق على توزيع الأحد عشر يومًا على إحدى عشرة سنة من سنوات الدور الصغير الثلاثين، وأصبحت هذه السنوات تحتوي على 355 يومًا، وسُمِّيت بالسنوات الكبيسة، بينما التسع عشرة سنة الباقية سُمِّيت بالسنوات البسيطة.
وكان توزيع السنوات الكبيسة في كل دور صغير بترتيب خاص، وهنَّ كما يأتي على التوالي: السنة الثانية، والخامسة، والسابعة، والعاشرة، والثالثة عشرة، والخامسة عشرة، والثامنة عشرة، والحادية والعشرون، والرابعة والعشرون، والسادسة والعشرون، وأخيرًا التاسعة والعشرون، وذلك في كل ثلاثين سنة قمريّة. وهكذا كانت هذه الطريقة الحسابيّة التي استنبطها علماؤنا الأوائل في محاولة منهم لضمان سلامة التقويم الهجري، ولزيادة دقته ليتوافق مع واقع دخول الأشهر القمرية وانصرامها. أما في عصرنا الحالي، ومع وجود التطوّر الهائل في وسائل الحساب والأرصاد والتقنيّات الحساسة، تحتَّم تطوير هذا التقويم كما سنرى لاحقًا.


المرجعية في تحديد التاريخ الإسلامي (حجة الوداع)
اعتمد معدُّو التقاويم على بعض التواريخ المشهورة في التاريخ الإسلامي، وإلى الأحداث النبوية المثبتة للتأكد من صحة تقاويمهم، وتعدُّ حجة الوداع هي المرجع الأساس في إعداد أيِّ تقويم هجري قمري؛ وذلك كون الرسول صل الله عليه وسلم، أشار في خطبة الوداع إلى أمور عدة تمثّل أساس إعداد التقويم القمري (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) متفق عليه. ومنها أيضًا أنَّ حجة الوداع قد كانت يوم جمعة؛ وهي المنطلق لأيِّ مُعدٍّ للتقاويم الهجرية. لذا كان لزامًا التحقُّق من صحة أيِّ تقويمٍ هجري قمري بأن يوافق الجمعة يوم التاسع من ذي الحجة للسنة العاشرة من الهجرة النبوية الشريفة.
بداية اليوم والشهر الإسلامي
لقد أقرّ الإسلام ما كان يعمل به العرب قبل الإسلام، وهنا نقصد بداية اليوم على أساس أنَّ الليل يسبق النهار، وعليه، فإنَّ بداية اليوم تكون مع غروب الشمس، وذلك كون الأشهر القمريّة مبنيَّة في الأساس على سير القمر، وتخلفه بعد اجتماعه بالشمس، ورؤية هلاله بعد مغيب الشمس.
تطوير التقويم الهجري
في محاولات للوصول بالتقويم الهجري إلى مرحلة جيدة من التوافق مع وضع رؤية الهلال، ظهرت معايير توضِّح حالات القمر بعد غروب شمس آخر ليلة من الشهر، فإن كان القمر تحت الأفق فرؤيته مستحيلة، أما إذا كان فوق الأفق بعد غروب الشمس فهنالك عدة احتمالات نوَّه إليها شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: «بل إذا كان بُعدُهُ مثلًا عشرين درجةً فهذا يُرى ما لم يَحُل حائلٌ، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يُرى وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية من وجوه»، انظر فتاوى شيخ الإسلام المجلد الخامس والعشرون صفحة 184.
وهنا نجد أنَّ وجود القمر فوق الأفق بعد غروب الشمس شرط لرؤيته، ويشترط لدخول الشهر في تقويم أم القرى حدوث الاقتران قبل غروب الشمس في مكة المكرمة على الكعبة المشرفة، وتخلف القمر على الأفق الغربي بعد غروبها، ويعدّ تقويم أم القرى أول تقويم في التاريخ يستخدم هذين الشرطين ويربطهما بإحداثيات مكة المكرمة.
تقويم أم القرى
مرّ تقويم أم القرى بعدة مراحل منذ نشأته، ونستطيع أن نقسم هذه المراحل على النحو الآتي:
المرحلة الأولى: هي مرحلة ما قبل عام 1392هـ، واعتُمِد في إعداد التقويم على أن يكون ارتفاع القمر لحظة غروب الشمس نحو تسع درجات قوسية. هذه المرحلة بدأت عام 1370هـ. وتكمن المشكلة هنا أنه يمكن في ظلِّ ظروفٍ مناخيّة جيدة أن يرصد الهلال في أقل من تسع درجات، ومن ثمَّ، يؤدي ذلك إلى وجود اختلاف بين دخول الشهر القمري بالرؤية والحساب، وهذا ما يولّد إحساسًا من أنَّ الحسابات الفلكيّة يشوبها نوع من الخطأ.
المرحلة الثانية: 1393ه – 1419ه ، اعتُمِد في إعداد التقويم خلال هذه المرحلة على أن يولد الهلال فلكيًّا (الاقتران) قبل منتصف الليل في غرينتش-المملكة المتحدة.
المعضلة هنا وجود فارق في التوقيت بين مكة المكرمة وغرينتش مقداره ثلاث ساعات، وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى إدخال الشهر القمري حسابيًّا قبل ولادته في مكة المكرمة. فلو وُلِد الهلال الساعة الحادية عشرة مساءً بتوقيت غرينتش في فصل الشتاء (الثامنة بتوقيت مكة المكرمة) فإنّ الشهر الجديد يدخل على الرغم من أنَّ القمر غرب في مكة المكرمة قبل الشمس، كما أنَّ ولادة الهلال جاءت بعد غياب الشمس، ومن ثَمَّ فإنَّ دخول الشهر دخول غير شرعي، وغير علمي؛ إذ يجب أن تتوافر شروط دخول الشهر الهجري.
المرحلة الثالثة: 1419ه – 1422ه ، اعتُمِد في هذه المرحلة في إعداد التقويم على أن يغرب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة، بغضِّ النظر عن ولادة الهلال فلكيًّا، وتم استخدام إحداثيات الكعبة المشرفة في إعداد التقويم أول مرة في تاريخ إعداد التقاويم الهجرية.
المشكلة هنا أنه في بعض الأشهر، التي يكون بُعد القمر الزَّاوي أكبر ما يمكن، فإنَّ القمر يغرب حسابيًّا بعد مغيب الشمس بعدة ثوانٍ، وهذا يعني دخول الشهر القمري قبل الاقتران. ومثال ذلك غروب الشمس يوم 27/8/2003م في مكة المكرمة عند 18:41 بينما غرب القمر في تمام الساعة 18:39، مع العلم أنَّ الاقتران حدث عند الساعة 20:27؛ أي بعد غروب الشمس.
المرحلة الرابعة: 1423هـ، لأنَّ دخول الشهر القمري لا يعتمد فقط على غروب القمر بعد غروب الشمس؛ فلقد دعت الحاجة إلى إدخال عنصر آخر في إعداد التقويم، وهو أن يحدث الاقتران (ولادة الهلال فلكيًّا) قبل غروب الشمس.
الأشهر القمريّة والطريقة العلميّة لرصد الأهلَّة
تختلف التقاويم باختلاف مُعدُّوها، فهناك تقاويم تعتمد على حدوث الاقتران على خط غرينتش قبل منتصف الليل، وبعضهم يحدده بارتفاع محدّد أو عمر محدّد، أو قد يجمع عدة معايير لبداية الشهر القمري، وبرغم صحتها من الناحية الحسابيّة إلا أنها لا تحقق الجانب الشرعي في دخول الشهر القمري.
كي يبدأ الشهر القمري لابد أن يتحقق شرطان أساسيّان مهمَّان، وهما: حدوث الاقتران (ولادة الهلال) قبل غروب الشمس في مكان الرصد، والشرط الآخر غروب القمر بعد غروب الشمس في مكان الرصد.
الاقتران (الولادة) في البداية هو اجتماع الشمس والقمر لتكون مراكز كُلٍّ من الشمس والقمر والأرض على استقامة واحدة أو في مستوى واحد، فإن كانوا على استقامة واحدة حدث كسوف للشمس، ومن ثَمَّ فإنَّ الكسوف ما هو إلا ظاهرة اقتران مشاهد.
ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن يُشاهد الهلال بعد مغيب الشمس في منطقة ما، وفي منطقة تقع غربـها يحدث كسوف للشمس، إذ إنَّ الكسوف دليل على حدوث الاقتران.

شكل رقم (1)
الاقتران والولادة
هناك من يجمع بين تعريفي ولادة الهلال والاقتران، وقد يكون الأصوب التفريق بينهما، فنُعرِّف الاقتران بأنه اجتماع الشمس والقمر في خط طولي واحد، أي تكون مراكز الشمس والقمر والأرض في مستوى واحد. وأما الولادة فهي تخلٌّف القمر عن الشمس، بحيث تكون الشمس أمامه من جهة الغرب، والقمر خلفها من جهة الشرق، وولادة الهلال هي اللحظة التالية للاقتران، وهذا سبب الجمع بين التعريفين عند كثيرين.
وقد أجمع علماء الفلك قاطبة على أنَّ الولادة أو الاقتران تتم في لحظة كونية واحدة، وأنَّ خبر الولادة قطعيٌّ لا يتردّد في قبوله واعتباره أحدٌ من علماء الفلك مهما تعدّدت مشاربهم وأفكارهم وعقائدهم. وسبق للعلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله- أحد علماء الأزهر- أن كتب رسالة أكد فيها أنَّ خبر ولادة الهلال خبر قطعي.
كيف ومتى وأين يُرصَد الهلال؟
إنَّ رصد هلال أيِّ شهرٍ يجري في نهاية الشهر السابق، فمثلًا لتحري دخول شهر رمضان، فإنَّ الهلال يُتحرى في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان؛ شريطة حدوث الاقتران قبل غروب الشمس في ذلك اليوم (29 شعبان)، وأن يغرب القمر بعد غروب الشمس، وفي حالة عدم التمكّن من رؤية الهلال أو عدم تحقق أحد الشرطين السابقين فإنَّ الشهر يُتم 30 يومًا.
يحتاج رصد الهلال إلى خبرة ودراية جيدة، وتركيز في جهة وجود الهلال، فقد يتوهَّم الراصد في جرم سماوي، مثل: كوكبي الزهرة وعطارد، أو دخان طائرة نفَّاثة أو قمر صناعي أو سحابة، أو ربما شعرة في عين الراصد أنه الهلال.
كما يحتاج الراصد إلى أن يكون في منطقة خالية من أضواء المدن، وهو متجه إلى ناحية الغرب، وألا يوجد أيُّ حاجز في الأفق، مثل: جبل أو منزل أو أشجار تعيق الرؤية، وعلى الراصد أن يعلم أنَّ رصد الهلال من أصعب مهام الرصد الفلكي لعدة أسباب:
-1 موقعه في المنطقة الحرجة للرصد قرب الأفق، أي في منطقة وجود أكبر كميّة من الأتربة والعوالق، شكل (1). المختصون في الغالب يتجنبون رصد الأحداث الفلكية في هذه المنطقة، ويتريثون حتى يرتفع الجرم السماوي المرصود، ولكن في حالة رصد الهلال لا يمكن تطبيق هذه القاعدة كون القمر يتبع الشمس في الغروب في بدايات الشهر القمري.
-2 قرب القمر الشديد من الشمس بعد الاقتران، ودائمًا يكون بهذا القُرب نهاية الشهر القمري.
-3 خفوت إضاءة الهلال، وهذا ناتج لبداية تخلق الضوء في حافة القمر، فكلما زاد الوقت من الاقتران زادت اضاءة القمر.
يُضاف إلى ذلك عامل الظروف المناخية (سُحُب، غبار…الخ)، والتي قد تؤثر في عملية الرصد.
والأسباب الآنفة الذكر لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال تجنبها، وهي خارجة عن سيطرة الراصد سواء كان هاويًا أم محترفًا. ومن النقاط المهمة في رصد الهلال التي يغفل عنها كثيرون، أنَّ رؤية الهلال في الغرب لا تُحتِّم رؤيته في الشرق، وإذا شوهد في الشرق ففرص رؤيته في الغرب أكبر إذا لم يحل حائل كغيم أو غبار.
في حالة رؤية الهلال على يمين الشمس، فإنه يسمَّى هلالًا شاميًّا نسبة إلى بلاد الشام، وفي حالة وجود الهلال على يسار الشمس يسمّى هلالًا يمانيًا نسبة إلى بلاد اليمن. أما في حالة رؤيته فوق الشمس فيسمّى هلالًا مستويًا.
حسابُ الأهلَّة من منظور علمي وشرعي
استطاع العلماء المسلمون – منذ بزوغ فجر الإسلام- أن يبرزوا في مجالات العلوم كافة، ولاسيما في الفلك، والطب، والرياضيات، والكيمياء، وعلم البصريات.
وفي علم الفلك، كان المسلمون أول من أنشؤوا المراصد الفلكية لمعرفة حركة النجوم، إذ أنشؤوا في العصور الوسطى عددًا هائلًا من المراصد مثل: (بيت الحكمة)، الذي بناه الخليفة المأمون في 218هـ الموافق 833 م، كما وضعوا معظم المصطلحات الحديثة المستخدمة اليوم في علم الفلك، وكانوا أول من وضع جداول دقيقة عن حركة النجوم، فضلًا عن اختراع كثير من الأجهزة الفلكيّة التي لازالت تحتفظ بها المتاحف الأوروبيّة إلى الآن، وكانوا يستدلّون بالظواهر الفلكيّة على بيان عظمة وقدرة الله سبحانه ووحدانيته، بعيدًا من الفئة الضالة التي جعلت منها عبودية لغير الله، وطريقة لإغواء البشريّة بالاعتماد على التنجيم في رسم مستقبل الإنسان بالكذب.
ولما للمواقيت ودراسة الأزمنة من أهمّية خاصة للمسلمين، كونها تدخل في حساب الأيام والشهور، مثل: دخول شهر رمضان، والحج، والأشهر الحرم، والأعياد، فقد اهتم العلماء في دراسة ذلك الجانب، قال تعالى: يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ
(البقرة: 189)، ولازال النقاش حول تحديد بدايات الشهور القمريّة في جدال مستمر حتى الآن، فمنهم من يعتمد على الرؤية البصريّة، والآخر على الحساب الفلكي، ومنهم من يقول إنَّ الاثنين مكملان لبعضهما ضمن إطار معلوم وشروط محدّدة.


الشهر القمري (الاقتراني)
هو المدّة الزمنية التي تبدأ من اجتماع الشمس والقمر، وتنتهي بالاجتماع الذي يليه، ومتوسط هذه الفترة 29.53 يومًا، ويتميّز بسهولة معرفة بدايته ونهايته، ولحظة الاقتران هذه كونية؛ أي إنها تحدث في وقت واحد بالنسبة إلى جميع المواقع على الأرض، إلا أنّ بدايته قد توافق الليل في بلد، والنهار في بلد آخر، حسب موقعها على الأرض.
الشهر القمري الشرعي
هو المدّة التي تبدأ من رؤية الهلال الجديد بعد غروب الشمس رؤية شرعيّة صحيحة، وتنتهي برؤية الهلال الجديد التالي له بعد غروب الشمس أيضًا، ولا يمكن للرؤية الشرعيًة أن تكون قبل موعد الاجتماع إطلاقًا. وقد يحدث كسوف شمسي مع الاجتماع، ويسمّى (الاقتران المرئي).
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إجماع العلماء على عدم جواز العمل بالحساب في إثبات الأهلَّة، والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلّها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور، لما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)، فهذا الحديث علَّق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية، لاختلاف المكان والزمان من بلد إلى آخر.
ولم يمانع علماؤنا من الاستعانة بالمراصد الفلكية على رؤية الهلال.
توحيد الأهلَّة
رفض مجمع المجلس الفقهي الإسلامي اقتراح توحيد الأهلَّة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأنَّ توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يقترحه بعضهم، وطالب بترك قضية إثبات الهلال لدور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأنَّ ذلك أولى وأجدر للمصلحة الإسلاميًة العامة.
واستشهد علماء المجمع الفقهي بحديث كريب، وهو أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام فقال كريب: قدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهلَّ عليَّ شهر رمضان، وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثمَّ قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثمَّ ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حالات نفي الحساب الفلكي
قال فضيلة الشيح الدكتور عبد الله المنيع عضو هيئة كبار العلماء، يجب الأخذ بالحساب الفلكي في النفي دون الإثبات، ويندرج تحت هذا الحكم الأحوال الآتية:
الحال الأول
إذا كانت ولادة الهلال قبل غروب الشمس، وجاء من يشهد برؤيته بعد غروب الشمس، فإذا كانت الشهادة من عدل برؤية هلال رمضان فيجب العمل بها، ويثبت بها دخول شهر رمضان لانفكاك الرؤية عمّا يكذبها.
الحال الثاني
إذا كانت ولادة الهلال بعد غروب الشمس، وجاء من يشهد برؤية الهلال بعد غروب الشمس، فيجب ردّ هذه الرؤية مهما كانت، ومهما كان عدد الشهود بها؛ إذ إنها شهادة لم تنفك عمّا يكذبها، إذ كيف يُرى الهلال بعد غروب الشمس، والحال أنَّ الشمس غربت ولم يولد؟
الحال الثالث
إذا كانت ولادة الهلال قبل غروب الشمس، ولم يتقدّم شاهد برؤيته، فلا يثبت بذلك دخول الشهر، وإن كان ثابتًا فلكيًّا بحكم ولادته قبل غروب الشمس؛ لأنَّ الاعتبار في الإثبات بالرؤية المعتبرة شرعًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
الحال الرابعة
إذا كانت الولادة بعد غروب الشمس، ولم يتقدّم أحد بالشهادة برؤيته، فتكون تلك الليلة ونهارها بعدها آخر الشهر بلا خلاف.
إنَّ إمكان الرؤية بعد الولادة محل اختلاف بين أهل العلم ولا سيما علماء الفلك، فبعضهم يقول بإمكان الرؤية إذا كان الهلال على زاوية محددة المقدار، وبدرجة معيّنة على اختلاف بينهم في مقدار الزاوية وتحديد الدرجة، وبعضهم يقول بإمكان الرؤية مطلقًا بعد الولادة، وخصوصًا مع تطور أجهزة الرصد.
بعضهم يقول إنَّ الولادة ظنيّة، وإنَّ علماء الفلك مختلفون فيما بينهم: هل هي قطعيّة أم ظنيّة؟ هؤلاء يخلطون بين الولادة وإمكان الرؤية، ويظنون أنَّ الخلاف في إمكان الرؤية خلاف في خبر الولادة. والصحيح أنَّ علماء الفلك مجمعون على أن خبر الولادة قطعي لا يقبل الشك ولا التردّد، وأنَّ إمكان الرؤية محل خلاف في تقديره بعد الولادة.
المصطلح الفلكي في تحديد بدء الشهر أو نهايته بعد الولادة محل خلاف، بعض الفلكيين يرون توقيت غرينتش هو التوقيت العالمي، فإذا كانت الولادة قبل نهاية الساعة الثانية عشرة مساءً – بتوقيت غرينتش- كانت الساعة الواحدة صباحًا من مبدأ أول يوم من الشهر، وإذا كانت الولادة بعد نهاية الساعة الثانية عشرة مساءً، كان بقية الليل والنهار بعده آخر يوم من الشهر .وهذا المصطلح مخالف للنظر الشرعي، فقد صدر قرار من مجلس الوزراء السعودي باعتبار الولادة، وباعتبار التوقيت الغروبي لمكة المكرمة، وباعتبار الليل أول اليوم، فإن تمت ولادة الهلال قبل غروب الشمس، فإنَّ الليلة التالية للولادة هي ونهارها أول الشهر.
وإن كانت الولادة بعد غروب الشمس، فإنَّ الليلة التي ولِد فيها الهلال هي ونهارها آخر الشهر، ولا اعتبار لتوقيت غرينتش، وهذا يفسّر معنى اختلاف علماء الفلك في مبدأ دخول الشهر وخروجه، ومن ذلك شهر رمضان.
