تحضير جسيمات الفضة

النانوية

بطريقة صديقة للبيئة وتطبيقها في معالجة المياه

أ.عائشة جلال الأصفر كيمياء فيزيائية – جامعة الملك عبد العزيز- السعودية

تتميز الأصباغ الاصطناعية الموجودة في المياه العادمة بذائبيتها العالية في المياه. علمًا بأن وجود كميات ضئيلة من تركيز هذه الأصباغ غير محبذ إطلاقًا، حيث إنها تشكل خطرًا على صحة الإنسان والحياة البحرية، إضافةً إلى أنها تعزز ظاهرة التلوث البيئي بشكل كبير؛ مما دفع الباحثين إلى توجيه جهودهم وخبراتهم نحو تطوير طرقٍ لإزالة هذه الملوثات بتقنيات صديقة للبيئة وغير مكلفة اقتصاديًا، ومن هذه الأدوات الحديثة استخدام جسيمات الفضة النانوية ذات القدرة التحفيزية العالية في انحلال هذه الصبغات العضوية الملوثة للمياه.

خصائص وتطبيقات جسيمات الفضة النانوية:

تعد معادن الفضة والذهب والنحاس من أوائل المعادن التي استخدمت في العصور القديمة من قِبل الإنسان، حيث تعد هذه المعادن لها قابلية على مقاومة الأكسدة والتآكل. إن جسيمات الفلزات النانوية، خاصةً الذهب والفضة، قد جذبت أنظار عديد من الباحثين واهتماماتهم بسبب خصائصها الفريدة. فعلى سبيل المثال، جسيمات الفضة النانوية لها قدرة عالية في استخدامها كمحفز، وكمضاد للبكتيريا والميكروبات، كما تتميز بأن لها موصلية عالية مما يؤهلها للاستخدام في مجال الإلكترونيات؛ لذا فإن تطبيقاتها واسعة ولا تقتصر على مجال واحد فحسب، بل تشمل حقولًا مختلفة في الصناعة والطب والهندسة والبيئة، وعلى رأسها معالجة المياه من التلوث بالأصباغ الكيميائية العضوية الموجودة بالقرب من المناطق الصناعية.

طرق تحضير جسيمات الفضة النانوية:

اُقترحت عدة تقنيات كمحاولة للتعامل مع إزالة الأصباغ من المياه، مثل الامتزاز، والانحلال الحيوي، وعمليات الأكسدة المتقدمة. إن لهذه التقنيات مزايا تجعلها مرغوبة وعيوبًا تحد من استخدامها. لذلك كانت الحاجة مُلحّة لاستخدام نهجٍ جديد مناسب لانحلال هذه الصبغات العضوية الملوثة ببساطة وفي الوقت نفسه يكون صديقًا للبيئة. من بين عديد من الطرق الكيميائية والبيولوجية والفيزيائية المستخدمة كانت طريقة التحفيز الضوئي غير المتجانس هي الأنسب؛ لتكلفتها المنخفضة وفاعليتها العالية. إن استخدام المحفزات هو أحد مبادئ الكيمياء الخضراء الاثني عشر المعروفة، أو بعبارةٍ أخرى، استخدام المواد الكيميائية التحفيزية سيقلل من النفايات الناتجة عن التفاعلات وكذلك الانبعاثات الحرارية. علاوةً على ذلك، سوف يزيد من انتقائية التفاعل ويحد من تكوين المركبات الثانوية غير المرغوب فيها؛ لذلك فالمحفزات تؤدي دورًا مهمًا في التفاعلات الكيميائية، بدءًا من استخدامها في أغراض البحث العلمي في المختبرات، وانتهاءً بمساندتها في تصنيع المنتجات بتوفير الطاقة المستخدمة وغير ذلك.

إن طريقة التحفيز الضوئي تقوم على أساس استخدام محفزات نانوية مختلفة، إمّا أحادية وإمّا ثنائية وإمّا ثلاثية المعدن. فجسيمات الفضة النانوية مثلًا، تُحضَّر باختزال أيونات الفضة بإضافة عامل اختزال مناسب من مواد طبيعية، سواء بذور أو أوراق أو فواكه أو قشور. وهذه تُعرف أيضًا بطريقة الاختزال الكيميائي الحيوي. ففي التحضير الحيوي للمواد النانوية تكون المكونات الموجودة في النبات، والفلافونويد، والعفص، والتربينويدات، وبولي هيدروكسي الفينولات، والكربوهيدرات، والإنزيمات الميكروبية، وحمض الأسكوربيك، وغيرها من المواد الكيميائية النباتية، هي المسؤولة عن اختزال أيونات الفضة. وقد استخدم الباحث ياكمان وزملاؤه الجذور والأوراق النباتية بوصفها عامل اختزال لتحضير جسيمات الفضة النانوية. وقد ثبت أن اختيار عامل اختزال مناسب بيئيًا، ووسط مذيب مع وجود عامل تغطية غير سام، يعد الخطوة الأولى لتطبيق أساسيات الكيمياء الخضراء في تحضير جسيمات الفضة النانوية بطريقة آمنة للبيئة، وغير مكلّفة اقتصاديًا.

تطبيقها في معالجة المياه الملوثة:

بعد تحضير جسيمات الفضة النانوية من مادة نترات الفضة ودمجها مع عامل الاختزال المناسب من قشور النبات أو ثمراتها أو أوراقها، كنبات الألوفيرا أو قشور الموز والبطيخ، أو ثمرة التمر أو مستخلص أوراق الشاي الأخضر، أو بذور الخوخ أو أي نبات يحتوي على المكونات التي تساعد على اختزال نترات الفضة إلى أيونات الفضة، التي ذكرناها سابقًا. تُستخدم جسيمات الفضة النانوية في معالجة المياه الملوثة بالصبغات الكيميائية، كصبغة البرومثيمول الأزرق أو صبغة الميثيل الأحمر، أو صبغة الميثيل البرتقالي، أو غيرها من الصبغات العضوية. ولاختبار مدى قدرة جسيمات الفضة النانوية، المُحضّرة من المستخلصات النباتية، على انحلال هذه الصبغات، يُستخدم جهاز الطيف المرئي فوق البنفسجي لقياس ذلك. حيث تختلف المدة الزمنية طولًا وقصرًا في انحلال الصبغة الكيميائية ومدى نقاوة الماء من الصبغة نتيجة عدة عوامل، منها: زيادة تركيز جسيمات الفضة النانوية المستخدمة، وكمية المواد الفعالة في المستخلص النباتي المستخدم في تحضير محلول جسيمات الفضة النانوية، بالإضافة إلى عوامل أخرى كالأس الهيدروجيني، وتركيز محلول بوروهيدرايد الصوديوم المساعد، ومدى استقرار جسيمات الفضة وبقاؤها في الحجم النانوي، وعدم تكتلها وتغيّر صفاتها مدّة اختبارها مع الصبغة، كما يؤثر تركيز الصبغة ذاتها في المدة الزمنية، حيث إن عامل التركيز مهم جدًا وعليه تخضع معظم اعتبارات قياس نقاوة المحلول.

 وقد حضّرت الباحثة جاينتا وزملاؤها في بحثٍ لها منشور جسيمات الفضة النانوية من مستخلص نبات أغملينيا الشجرية (Gemelina Arborea)، واستخدمتها في تحلل صبغة الميثلين الأزرق، وقد أثبتت نتيجة المختبر قدرة الجسيمات النانوية على انحلال الصبغة في غضون عشر دقائق فقط في ظل الظروف المحيطة. وعلى الرغم من أن الباحث سيركانس وزملاءَه استخدموا نبات البيكراسما (Picrasma Quassioides) في تحضير جسيمات الفضة، إلا أن مدة انحلال صبغة الميثلين الأزرق استغرقت ثلاثين دقيقة. وفي دراسة أخرى استخدم الباحثون جسيمات الفضة النانوية في تحلل ثلاثة أنواع مختلفة من الصبغات وهي: صبغة الأزرق البراق، والترترازين، والأزوروبين، وخلُصت الدراسة إلى أن إضافة محفزات جسيمات الفضة المحضرة من نبات رباطية درهمية الأزهار، والمعروفة باسم (Viburnum Opulus)، ساعدت في تحلل الصبغة بمقدار أربعة أضعاف. وكذلك فإن هناك بعض الأبحاث التي أثبتت أن استخدام أجزاء مختلفة من النبتة ذاتها يؤثر أيضًا في كفاية المحفز النانوي؛ لتغيّر شكل السطح النانوي الذي يعد عاملًا مهمًا في فاعلية المحفز. ففي دراسة نُشرت قبل أعوام فصل بعض الباحثين الساق عن الأوراق وعن الجذور من شجرة اللولب الهندية لتحضير جسيمات الفضة النانوية في ثلاث عينات مختلفة، عينة من الساق وأخرى من الجذور وثالثة من الأوراق، وأجروا اختبار كفاية المحفز النانوي الناتج على عدة صبغات، منها صبغة الميثيل البنفسجي، والسفرانين، وصبغة يوزين الميثلين الأزرق، وصبغة الميثيل البرتقالي. ولاحظوا أن انحلال صبغة يوزين الميثلين الأزرق كان أسرع وأكثر فاعلية في العينة التي حُضِّرت من ساق النبتة مقارنةً مع العينة التي حُضِّرت من الجذور والأوراق. 

الخلاصة والتوصيات:

إن بعض الأبحاث أظهرت نشاطًا تحفيزيًا جيدًا لجسيمات الفضة النانوية في انحلال الصبغات عند الظروف الاعتيادية، أما البعض الآخر، فقد استغرق مدة أطول حتى يصل إلى أقصى درجة من الانحلال المطلوب، وفقًا لطرق تحضير الجسيمات النانوية من المستخلصات النباتية ومدى مقاومة تركيب الصبغة الكيميائي للانحلال وغيرها من العوامل؛ لذلك يمكننا القول إن الأبحاث قد باتت قريبة من الوصول لهدف منع تلوث المياه بهذه الأصباغ العضوية، لكن في المقابل لا تزال الحاجة مُلحّة إلى إجراء مزيدٍ من البحث والتطوير على هذا النهج الآمن للبيئة حتى نضمن العثور على محفز نانوي مناسب لكل نوع من أنواع هذه الصبغات، لنتمكن من حل مشكلة تلوث المياه في المناطق الصناعية بشكل جذري.

Share This