جزيئات متألقة ضوئياً
لاصطياد أشعة الشمس.. وتحسين كفاءة الخلايا الكهروضوئية
د. أحمد الصالح كيمياء فيزيائية- جامعة الملك سعود- السعودية
تطلق الشمس كلّ يوم سهامها الذهبية باعثة بالضوء والطاقة لكافة مظاهر الحياة على سطح الأرض. ولا تكتفي السهام هذه بأن تضيء الكوكب الذي نعيش فيه، ولا تقتصر كذلك على الدفء الذي تبعثه في أجسادنا، بل تلعب دورًا رئيسًا في تفاعل البناء الضوئي ، أحد أجمل وأروع التفاعلات الكيميائية. يمتصّ النباتُ ضوءَ الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء ليعطي الأوكسجين، ويشيد النشويات التي يتغذى عليها الإنسان، والحيوان الذي يستفيد الإنسان من لحمه ولبنه. ولا يمكن تخيّل ما ستصبح عليه حياتنا من دون ضوء الشمس.

وكما يستوحي الرسام رسوماته من البيئة المحيطة به، والشاعر صوره الشعرية من الوسط الذي يعيش فيه، فإنّ الكيميائيّ يحاكي في تصميمه للمواد عمل الجزيئات التي أوجدها الخالق عز وجل في الطبيعة من حوله، فمن عملية البناء الضوئي، والدور الذي تلعبه جزيئات الكلوروفيل في النباتات يستطيع الباحث أن يستلهم الكثير من الأفكار عن أفضل السبل لتصميم جزيئات تمتصّ أشعة الشمس بكفاءة عالية. تبعث الشمس يوميًا كميات هائلة من الطاقة إلى سطح الأرض. تستقبل الأرض كل ساعة ما يقارب من 430 كوينتلين جول من طاقة الشمس1. ولنرسم صورة معبرة لمدى الطاقة العظيم الذي تبعثه الشمس إلى سطح الأرض فإنّ مقدار الطاقة الذي يصل إلى سطح الأرض في 90 دقيقة (ساعة ونصف) من ضوء الشمس يكفي لاستيفاء احتياجات سكان الكرة الأرضية من الطاقة لعام كامل2. ولا عجب أن يُكرّس المجتمعُ العلميّ، بعلمائه ومهندسيه، جلّ اهتمامه على كيفية تسخير طاقة الشمس المتجدّدة لتوليد الكهرباء، ولأجل هذه الغاية تخصّص الدول مواردها للأبحاث والتطوير في مجالات تحويل طاقة الشمس وتخزينها.
إنّ وفرة موارد الطاقة هي الحجر الأساس لأي حضارة. ومنذ آلاف السنين سعى الإنسان للاستفادة من وفرة ضوء الشمس. وتعود الجذور التقنية للطاقة الشمسية إلى الصينيين القدماء الذين ابتكروا المرآة (العدسات) الحارقة لتركيز أشعة الشمس لإشعال النيران. وبعدها توالت الاستخدامات التقنية المختلفة لأشعة الشمس3، إلا أن عصر الخلايا الكهروضوئية التي تقوم بتوليد الكهرباء من الإشعاع الشمسي بدأ بالبزوغ مع أواخر القرن التاسع عشر. ففي عام 1839، لاحظ إدموند بيكريل (Edmond Becquerel) تولد تيار كهربائي عندما سلّط الضوء على كلوريد الفضة المغموس في محلول إلكتروليتي (عند ظروف معينة). أي أن ثمة علاقة بين الضوء والخواص الإلكترونية للمادة. بعدئذ قام آينشتاين بنقلة كبيرة في هذا المجال عندما فسر قدرة الضوء على توليد الكهرباء في ورقته العلمية الشهيرة عن الأثر الكهروضوئي في عام 1905. يتألف الضوء من جسيمات صغيرة تسمى فوتونات، ولكل فوتون طاقة، وطول موجي محدّد، وتتفاوت الفوتونات في طاقتها، منها الفوتونات ذات الطاقات العالية نسبيًا والأطوال الموجية القصيرة، مثل الأشعة السينية والفوق بنفسجية، ومنها الفوتونات منخفضة الطاقة مثل الأشعة تحت الحمراء وموجات الراديو. وتتوسط الأشعة المرئية التي نبصر العالم من خلالها في طاقاتها، فهي أقلّ في طاقتها من الأشعة فوق البنفسجية وأعلى من الأشعة تحت الحمراء.

تقوم الخلايا الكهروضوئية على أشباه الموصلات، وهي موادّ ذات أهمّيّة كبيرة، وتوجد في معظم الإلكترونيات من حولنا. ورغم القفزات الكبيرة التي حققها قطاع الخلايا الكهروضوئية منذ منتصف القرن عشرين إلى يومنا هذا، إلا إن قدرة الخلايا الكهروضوئية على توليد الكهرباء من ضوء الشمس ما زالت بحاجة إلى مزيد من البحث والتطوير. ففي خلايا السيلكون وهي الخلايا الأكثر شيوعًا بالأسواق، فإن كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء في خلايا السيلكون وحيد الوصلة (single junction) لم يصل إلى%30، وكذلك الحال مع أنواع أخرى من الخلايا الكهروضوئية (وحيد الوصلة) مثل الخلايا الصبغية أو العضوية أو البيرفوسكايت4. ورغم سعي العلماء والمهندسين المستمر لتطوير خلايا كهروضوئية ذات كفاءة عالية، مع مراعاة الاحتفاظ بسعر سوقي مناسب، إلا أن أحد العقبات الكبرى التي تواجه الباحثين في هذا المجال تتعلق بطبيعة ضوء الشمس وسلوك أشباه الموصلات، المكوّن الأساسي للخلايا الشمسية. فشعاع الشمس الذي يصل سطح الأرض ما هو إلا أشعة كهرومغناطيسية مكونة من فوتونات عديدة تتفاوت في طاقتها- خليط من فوتونات الأشعة تحت الحمراء ومن الأشعة المرئية والأشعة فوق البنفسجية5. إذًا أشعة الشمس ليست مكوّنًا واحدًا بل تتكون من أجزاء مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي ولا نبصر منها سوى الأشعة المرئية التي تتراوح أطوالها الموجية من 380 إلى حوالي700 نانومتر6.
ومثلما أن العين البشرية لا تبصر الفوتونات في نطاق الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، لا يختلف الحال كثيرًا مع بعض أنواع الخلايا الكهروضوئية، التي ليس باستطاعتها سوى امتصاص جزء من أشعة الشمس دون أجزاء أخرى. ويعزى السبب في ذلك إلى طبيعة أشباه الموصلات، حيث لكل مادة شبه موصلة فجوة نطاق (band gap)، وهي الفجوة التي تفصل بين حزمة التكافؤ وحزمة التوصيل. تتلخص المشكلة باختصار أن فجوة النطاق هذه لا تتوافق سوى مع جزء محدد من أشعة الشمس، وبالتالي تخسر الخلية الكهروضوئية فرصة الاستفادة من أجزاء معينة من الإشعاع الشمسي لتوليد الكهرباء. وهذا السبب الرئيس، بالإضافة إلى أسباب أخرى، تحول دون قدرة العلماء على تصميم خلية كهروضوئية ذات كفاءة عالية. إذًا ما هي الحلول التي يطرحها المجتمع العلمي لمواجهة هذه العقبة؟ هناك أكثر من مقاربة لتحسين الكفاءة في الخلايا الشمسية. تعتمد المقاربة الأولى على تحسين الخواص الإلكترونية للخلية الكهروضوئية، ومثال ذلك يكون في تصميم خلايا كهروضوئية عديدة الوصلات لامتصاص أكبر قدر ممكن من الضوء الساقط، مما يؤدي إلى ازدياد في كفاءة الخلية. أما المقاربة الثانية لتحسين الكفاءة فتتمثل بأنّه بدلًا من التركيز على تحسين الخواص الإلكترونية للخلية الكهروضوئية لامتصاص أشعة الشمس، يجب استهداف أشعة الشمس قبل أن تصل إلى سطح الخلية الكهروضوئية لتحويل الفوتونات غير المستغلة إلى نوع آخر من الفوتونات يمكن استغلاله (متوافق مع فجوة النطاق)، وبالتالي تحسن في كفاءة الخلية الكهروضوئية.

إذًا تستهدف المقاربة الأولى تركيب الخلية الكهروضوئية وتستهدف المقاربة الثانية تحويل طاقات بعض الفوتونات في ضوء الشمس للتوافق مع طبيعة الخلية الكهروضوئية. سأتحدث باختصار عن المقاربة الثانية والدور الذي يمكن أن تلعبه الكيمياء الضوئية في هذا الموضوع. تمتص خلايا السيلكون الضوء المرئي بكفاءة معقولة، إلا أن هذه الكفاءة سرعان ما تتدهور عند تعرضها لفوتونات الأشعة فوق البنفسجية في ضوء الشمس، وبالتالي تصبح هذه الفوتونات مصدرًا غير مستغل للطاقة. تكمن أهمية المقاربة الثانية في تحويل الأشعة فوق البنفسجية أو الأشعة تحت الحمراء إلى ضوء مرئي يمكن الاستفادة منه، دون مساس بالخلية الكهروضوئية، ويطلق مصطلح محول طيفي (spectral converter) على الجزيئات التي تقوم بتحويل فوتونات الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء إلى ضوء مرئي (صورة 1).


صورة1: محول طيفي (من عمل الكاتب). يتألق المحول الطيفي باللون الأحمر عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية
والمحول الطيفي هو طبقة توضع على سطح الخلية الكهروضوئية وتتألف هذه الطبقة من مكون رئيسي وهي الجزيئات المتألقة ضوئيًا، تقوم هذه الجزيئات بامتصاص فوتونات محددة مثل الأشعة فوق البنفسجية وتحويلها إلى ضوء مرئيّ (تألق ضوئي)، بحيث يمكن الاستفادة من الضوء المنبعث لتوليد الكهرباء في الخلية الشمسية كما هو موضح بالشكل 1. وغالبًا ما تشكل البوليمرات المكوّن الثاني للمحول الطيفي، التي ينحصر دورها في توفير البيئة المناسبة لاستضافة هذه الجزيئات وما يصاحبها من عمليات فيزيائية-ضوئية من امتصاص وانبعاث… إلخ. وهناك حالات أخرى تقوم فيها البوليمرات بدور أكبر. وتلعب الكيمياء الضوئية دورًا كبيرًا في تصميم جزيئات متألقة ضوئيا لاصطياد أجزاء مختلفة من الإشعاع الشمسي – مع مراعاة توافر العديد من العوامل في تصميم هذه الجزيئات. أولًا، يجب أن تتوفر في الجزيئات القدرة العالية على امتصاص الجزء غير المستغل من أشعة الشمس مثل الأشعة فوق البنفسجية، أو الأشعة تحت الحمراء. ثانيًا، أن تتمتع بمحصول كمّي عالٍ. والمحصول الكمّي هو أحد المقاييس التي تقاس بها الكفاءة الضوئية للجزيئات، وكلما أزداد المحصول تزداد الكفاءة. ثالثًا، يجب أن تتمتع الجزيئات بالاستقرار الضوئي والحراري لمدد زمنية طويلة دون تدهور كبير في كفاءتها. وهناك شروط أخرى يجب توفرها قد يترك تفصيلها لمقال آخر.

ولتقييم فاعلية هذه المواد يستعين الكيمائي بعلم الأطياف (Spectroscopy) وهي أداة غاية في الأهمية يستخدمها الكيميائي لجمع معلومات عن ماهية الذرات أو الجزيئات، وذلك من خلال دراسة وتحليل طبيعة تداخلاتها مع الإشعاع الكهرومغناطيسي الممتص أو المنبعث. يكتسب الجزيء طاقة، عندما يمتص الإشعاع ويصبح في حالة إثارة (excited state)، بعدها – وفي ظروف معينة – يتخلص الجزيء من الطاقة المكتسبة على شكل تألق (انبعاث) ضوئي ويرجع إلى حالته المستقرة (ground state). يمكن للكيميائي من خلال معاينة وتحليل لأطياف الامتصاص والتألق الضوئي الحصول على معلومات عن طبيعة الحالات المثارة وكفاءة الجزيء الضوئية، ومن ثم اختيار المادة المناسبة لوضعها على سطح الخلية الكهروضوئية. وقد سبق وأن استخدمت المركبات العضوية كمحولات طيفية وكذلك استعين بنقاط الكم (quantum dots) مثل سيلينيد الكادميوم (QDs CdSe) كمحولات طيفية، حيث تتمتع بمعاملات امتصاص عالية وأطياف انبعاث يمكن التحكم بها للتوافق مع استجابة الخلية الكهروضوئية المراد تحسين كفاءتها. وتحتل أيونات/ معقدات المعادن الأرضية النادرة (اللانثانيدات) مكانة كبيرة في هذا المجال وذلك لكفاءتها الضوئية واستخداماتها في خلايا السيلكون والخلايا الصبغية وخلايا أخرى كثيرة. حاولت في هذه المساحة الحديث باختصار عن أحد الأدوار التي تلعبها الكيمياء لتحسين كفاءة الخلايا الكهروضوئية. وما زال العلماء والمهندسون في سعيهم للبحث والابتكار عن أفضل الحلول لاستغلال أشعة الشمس كمصدر من أهم مصادر الطاقة المتجددة.

شكل1: مخطط تبسيطي لآلية عمل المحول الطيفي: تمتص الجزيئات المتألقة ضوئيًا (اللون الأخضر) الفوتونات غير المستغلة في الإشعاع الشمسي مثل الأشعة فوق البنفسجية (السهام باللون البنفسجي) وتحولها إلى فوتونات أكثر توافقًا مع الخلية الكهروضوئية (السهام الحمراء) ليتم امتصاصها، ويسمح المحول الطيفي لبقية الفوتونات بالنفاذ إلى سطح الخلية (السهام الرمادية) دون تغيير أو تحويل.