التعاطف الذاتي

وأمراض القلب والأوعية الدموية لدى النساء

أ.مهى فواز علم نفس – الجامعة اللبنانية – لبنان

إذا لم نتمكن من التعاطف مع أنفسنا، فلن نتمكن من تلقيه من أي شخص آخر. وتعد هذه الممارسة إستراتيجية دفاعية تساعدنا على تفهم أخطائنا التي بها يمكننا أن نتعلم وننمو أكثر. على سبيل المثال: يمكن لأي شخص مدمن وتعافى، ومن ثَم تعاطف مع الذات، أن يستفيد من تجربته لمساعدة آلاف الأشخاص، وإذا لم يتمكن من التعاطف مع نفسه؛ فلن يتمكن من مساعدة الآخرين. التعاطف مع الذات مهم للغاية بوصفه ممارسة للصحة العقلية، حيث يسمح للنفس بالتخلي عن حكم الذات والنقد الذاتي والتقدم نحو التسامح مع الذات وحبها، مع المثابرة والارتقاء فوق أكثر لحظات الحياة تحديًا والتعاطف معها بدلًا من جلدها؛ فعندما نكون عالقين في الشعور بالذنب والعار، يؤدي ذلك إلى الاكتئاب والشعور بالعجز واللجوء إلى عادات سيئة مثل الأكل غير الصحي والشرب والمقامرة وغيرها من المشتتات التي تؤدي إلى تفاقم المشاعر السلبية وتقليل احترام الذات.

إذا كان شخص، غير قادر على التأقلم يوميًا ولا يتلقى رعاية صحية عقلية كافية أو لا يمارس ممارسات صحية عقلية تكيفية (Adaptive Mental Health Practices) لدعم تهدئة النفس والأعصاب، فمن المرجح أن يبالغ في رد فعل جهازه العصبي السمبثاوي (Sympathetic (Nervous System، الذي يؤدي به إلى رد فعل «المواجهة أو الهروب» (Fight or Flight Reaction) مما يلقي بضرر كبير على جهازه البدني؛ فعندما لا يستطيع الجسم الحد من التوتر بشكل صحيح، سيؤدي ذلك إلى إجهاد حاد يطغى على الجهاز العصبي السمبثاوي ويقوض قدرة الجسم على النمو مما قد يؤدي إلى المرض وحتى الموت. قد تجد النساء صعوبة خاصة في ممارسة التعاطف مع الذات إبان منتصف العمر، ففي كثير من الأحيان، ومع التقدم في السن، تصبح المشاعر أعمق وليس من السهل تجاهل الأمور ويزداد الشعور بوجوب معرفة الأمور بشكل أفضل وعدم ارتكاب الأخطاء، مما يزيد من إهمال الذات إلى جانب ضيق الوقت مقارنةً مع صعوبات الحياة، فتهمل بعض النساء التعاطف مع أنفسهن فيؤدي إلى الوقوع فيما يسمى الحلقة السلبية (Vicious Cycle)مما يعزز هذه الأفكار وفي جوهرها يشعر الشخص بقلة الحيلة لتغيير واقعه.

للمساعدة في تعزيز التعاطف مع الذات، يوصي الباحثون بنوع من العلاج بالكلام يسمى العلاج السلوكي الجدلي (Dialectic Behavioral Therapy). يتضمن هذا العلاج وضع يد على الجبهة ويد على القلب والقول بصوت عالٍ: «على الرغم من أنني أشعر بالغضب أو الانزعاج أو السخط أو الإحباط، لا يزال بإمكاني أن أتمتع بالحب والتعاطف مع نفسي». يمكن تكرار هذه الجملة عدة مرات، حسب الحاجة، حتى الشعور بالراحة. تستخدم هذه التقنية لتهدئة كل من العقل والجسد، والوصول للتعاطف مع الذات، وهناك طريقة أخرى لتنمية ممارسة التعاطف مع الذات هي التحدث عنها، وكون التعاطف لا يعني الشعور بالأسف تجاه شخص ما بل تعني: «أشعر بألمك ولا يمكنني أن آخذه منك، لكنني أعرف مدى صعوبة التعاطف مع نفسك. أنا هنا من أجلك. يمكننا القيام بذلك معًا.»

يعتقد الخبراء أنه يمكن إعادة صياغة الأفكار لدعم عقلية النمو الإيجابية في أي عمر، مما يؤدي إلى آثار إيجابية مدى الحياة. على سبيل المثال: تعتقد إحدى الباحثات أن رعاية صحتها العقلية عززت قدرًا أكبر من التعاطف مع الذات وأنقذت حياتها فقالت: «هذا الجديد الذي وجدته سمح لي أن أجد الراحة التي أحتاجها، وأن أزدهر مرة أخرى … لا يعني منتصف العمر أن حياتك قد انتهت، بل يعني أن كوبك لا يزال نصف ممتلئ». عندما يتعلق الأمر بالتنمية الشخصية، غالبًا ما تحتفل ثقافتنا بأولئك الذين يتمتعون بالثقة بالنفس ومع ذلك، قد يكون التعاطف مع الذات طريقة أفضل لمقاربة النجاح والتنمية الشخصية. مثلًا، تجعلك الثقة بالنفس تشعر بتحسن تجاه قدراتك، بينما يشجعك التعاطف مع الذات على الاعتراف بعيوبك وقيودك. وبمجرد أن تقر وتقبل بعيوبك، فمن المرجح أن تنظر إليها بموضوعية وواقعية أكثر، وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى تغييرات إيجابية في حياتك. عندما يتعلق الأمر بممارسة التعاطف مع الذات، فهناك عديدٌ من المكونات الأساسية التي تعد ضرورية لنجاحها. وتشمل هذه أن تكون لطيفًا مع نفسك، تمامًا كما لو كنت مع صديقك؛ أن تدرك من أنت حقًا، وما عيوبك؛ والسماح لنفسك بالحرية في أن تكون غير كامل.

اللطف الذاتي(Self-Compassion)

عندما تمارس اللطف مع الذات، فإنك تدرك أن جميع الناس غير كاملين وأن جميع الناس لديهم حياة غير كاملة. على سبيل المثال، عندما يحدث خطأ ما، قد يكون ردة الفعل الأولى هي التفكير «لا ينبغي أن يحدث هذا»، أو «لا ينبغي أن أواجه هذه المشكلة في حياتي ويعيش الآخرون سعداء تمامًا». مع التفكير السلبي أو غير اللطيف، من المحتمل مواجهة معاناة إضافية لأنها تجعل الشخص يشعر بالعزلة والوحدة والاختلاف عن أي شخص آخر. ولكن مع اللطف مع الذات، بدلًا من التفكير في «أنا مسكين»، يمكن التفكير «حسنًا، يخفق الجميع من حين لآخر.» عندما يحصل التفكير بهذه الطريقة، فإنه يتغير الأسلوب الذي يرى به الشخص تحديات الحياة وصعوباتها مما يفتح الباب للتعلم من التجارب.

الإدراك الفكري(Mindfulness)

عنصر آخر من عناصر التعاطف مع الذات هو الإدراك. عندما تكون مدركًا، عليك أن تكون على استعداد لمواجهة ألمك ومعاناتك والاعتراف بذلك. معظم الناس لا يريدون القيام بذلك. ويتجاهلون الألم ويذهبون مباشرة إلى حل المشاكلات. ولكن عندما تضع الحياة عقبة في طريقك، فمن المهم أن تأخذ الوقت الكافي لتضع في اعتبارك كيف تجعلك تلك النضالات أو الإخفاقات تشعر، ولماذا تكون قد حدثت. عندما تكون قادرًا على القيام بذلك، فمن المرجح أن تنمو وتتعلم من الموقف. شيء آخر يجب أن تكون على دراية به هو ناقدك الداخلي. يمكن أن يكون النقد الذاتي صعبًا للغاية، وغالبًا ما يتكرر في أذهاننا. لكن الإدراك الفكري يتيح لك أن تكون على دراية بأوجه النقص لديك، من دون إصدار حكم على نفسك، والنتيجة هي أنك ستدرك أين تحتاج إلى تحسين من دون ضغوط فوق طاقتك.

العيوب

بمجرد أن تتقبل أنه من غير الواقعي أن تتوقع الكمال، ستشعر وكأن ثقلًا كبيرًا قد رُفع عن كتفيك فيساعدك أيضًا على إدراك أن ما تمر به أمر طبيعي وبشري، ولا يجب أن تشعر بالسوء حيال ذلك. يمكن أن يساعدك التعرف على عيوبك أيضًا على الشعور بمزيد من الارتباط بالآخرين؛ لأنك تدرك أن كل شخص يواجه صعوبات. تَذَكر أن التعاطف مع الذات يعني أن تكون لطيفًا مع نفسك وأن تدرك أن البشر ليسوا كاملين، بما فيهم أنت! ويتطلب هذا أيضًا الاعتراف بأنه من المقبول ألا تكون مثاليًا.

فوائد التعاطف مع الذات

بشكل عام، يتضمن التعاطف مع الذات إدراك الفرق بين اتخاذ قرارٍ سيئٍ وكونك شخصًا سيئًا، فعندما تتدرب على التعاطف مع الذات، فأنت تدرك أن اتخاذ القرارات السيئة لا يجعلك تلقائيًا شخصًا سيئًا، بدلًا من ذلك، تدرك أن قيمتك غير مشروطة. في الواقع، أظهرت الأبحاث باستمرار وجود علاقة إيجابية بين التعاطف مع الذات والصحة العامة. بالإضافة إلى ذلك، يوفر التعاطف مع الذات إحساسًا بقيمة الذات ولكن ليس بطريقة نرجسية مثل الثقة بالنفس الزائدة في بعض الأحيان. علاوة على ذلك، فإن الأشخاص الذين يمارسون التعاطف مع الذات لديهم أيضًا المزيد من الروابط الاجتماعية، وذكاء عاطفي أعلى، ورضى عام أكبر عن الحياة كما أنهم أكثر رعاية ودعمًا وتعاطفًا للآخرين. وفي الوقت نفسه، تظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يتعاطفون مع أنفسهم يعانون من قلق واكتئاب وخوف أقل، كما أن التعاطف مع الذات يمكن أن يكون حافزًا يدفع الناس إلى تحسين أخطائهم أو إخفاقاتهم أو عيوبهم؛ لأنهم ينظرون إليها بموضوعية أكثر.

النساء اللواتي يمارسن التعاطف مع الذات

وفقًا لبحث جديد، فإن النساء في منتصف العمر اللواتي يمارسن التعاطف مع الذات لديهن خطر أقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بغض النظر عن عوامل الخطر التقليدية الأخرى مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري ومستويات الكوليسترول. ركز كثير من الأبحاث على دراسة كيفية تأثير التوتر والعوامل السلبية الأخرى في صحة القلب والأوعية الدموية، بينما تأثير العوامل النفسية الإيجابية، مثل التعاطف مع الذات لا يُلقي الضوء عليه بشكل كاف بعد. أثناء وباء كورونا، تضخمت الضغوطات، خاصة لدى النساء وأظهرت الأبحاث من مجموعات مختلفة في جميع أنحاء العالم أن النساء يتأثرن بشكل أكثر بالوباء، فهن يهتممن بالأطفال والأقارب الأكبر سنًا وغالبًا ما يهتممن بالبالغين الآخرين أيضًا. وتعد ممارسة الإدراك والتعاطف مع الذات أدوات يقترحها المستشارون وعلماء النفس غالبًا للأشخاص الذين يعانون من الإجهاد المزمن. لقد ثبت أن هذه التقنيات فاعلة في إدارة القلق حتى الاكتئاب. لكن هل لهذه الممارسات أي آثار فسيولوجية في الجسم؟

سعى الباحثون للإجابة عن هذا السؤال. فعلى سبيل المثال: أُجيب عن هذا السؤال في دراسة أكثر من 200 امرأة تتراوح أعمارهن بين 45 و67 عامًا. أكملت النساء استبانة قصيرة يطلب منهن تقويم عدد المرات التي يتعرضن فيها لمشاعر السلبية، سواء شعرن غالبًا بخيبة أمل بسبب عيوبهن أو إذا منحن أنفسهم الرعاية والحنان في لحظات الحياة الصعبة. كما تلقت النساء فحصًا بالموجات فوق الصوتية لتشخيص الشرايين التاجية والأوردة في الرقبة التي تنقل الدم من القلب إلى الدماغ. وجد العلماء أن النساء اللواتي حصلن على درجات أعلى على مقياس التعاطف مع الذات لديهن جدران الشرايين التاجية والأوردة في الرقبة أرق من النساء اللواتي لديهن درجة أقل من التعاطف مع الذات. رُبطت هذه المؤشرات بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية، بعد سنوات. علمًا أن الباحثين كانوا يسيطرون على السلوكيات والعوامل النفسية الأخرى التي قد تؤثر في نتائج أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل النشاط البدني والتدخين وأعراض الاكتئاب.

يقودنا هذا إلى استنتاج أنه عندما لا نتحدث، فإننا منخرطون في مناجاة صامتة، مع سرد مجموعة من أخطائنا وأوجه قصورنا. فالوابل المستمر ليس فقط غير صحي عقليًا؛ بل يمكن أن يسبب ضررًا جسديًا حقيقيًا أيضًا. على الرغم من أن التعاطف مع الذات قد يبدو وكأنه أحدث كلمة طنانة للمساعدة الذاتية، إلا أن هذه الممارسة لديها ما يقرب من عقدين من الأدلة التي تدعم فوائدها على الصحة العقلية. وتشير الأبحاث الحديثة الآن إلى أنه يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب أيضًا. لا ينطبق هذا على النساء فقط؛ لأنه على الرغم من أن الرجال يسجلون درجات أعلى في معدلات التعاطف مع الذات، إلا أنهم يعانون أيضًا من الصوت الداخلي الناقد ويقل احتمال طلبهم للمساعدة، وعليه فإنهم يعانون من العواقب. لذا هذه الممارسة تثبت يومًا بعد يوم أنها ذات قيمة نفسية وفسيولوجية.

Share This