المخلفات الفضائية

تهدد الرحلات إلى الفضاء

أ.فاطمة طلعت فيزياء – جامعة سوهاج – مصر

في الوقت الحاضر، هناك أكثر من 2200 قمر صناعي يدور حول الأرض، ولكن الذي يسبب القلق المتزايد هو الأقمار الصناعية التي لا تعمل، والصواريخ المستهلكة، ونفايات محركات الصواريخ التي تسمى الحطام، أو النفايات الفضائية والتي تسبب مخاطر كبيرة بسبب تراكمها حول مدار الأرض. سنناقش هذه المشكلة ومدى أضرارها في هذه المقالة

ما المخلفات الفضائية؟

هي عبارة عن مجموعة من بقايا الأقمار الصناعية ومخترعات الإنسان التي تسبح في مدارات كوكب النظام الشمسي، منها التي ما زالت مخلفاتها تسبح حول مدار الأرض، فالمخلفات تشمل كل شيء لم يعد له أهمية بالفضاء، مثل: نفايات محركات الصواريخ الصلبة، أو بقايا قشور من الأصباغ المستخدمة في طلاء المركبات الفضائية.

ما تاريخ المخلفات الفضائية؟

بدأ عصر الفضاء في عام 1957، حيث أُطلق 4600 مركبة فضائية لوضع 6000 قمر صناعي في المدار المخصص له. ويعد أقدم هذه الأقمار هو القمر فانجارد (Vanguard)، الذي أُطلق عام 1958؛ فهو من أقدم المخلفات الفضائية حيث لايزال في مداره حول الأرض. ولقد حذر العالم الفيزيائي دونالد كسلر في تقريره لوكالة ناسا الفضائية من خطر التصادم المستمر للأقمار الصناعية، حيث إن المخلفات الناتجة عن تصادم جسمين فضائيين ستؤدي إلى تصادم كثير من الأجسام الفضائية. وفي الحقبة بين عامي 1968 و1986، أجرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في أثناء الحرب الباردة تجارب لأكثر من 20 صاروخًا مضادًا للأقمار الصناعية. ومن أهم الحوادث التي أدت لتكون عديدٍ من المخلفات، عندما اختبرت جمهورية الصين الشعبية صواريخ مضادة للأقمار الصناعية في 11 يناير 2007، حيث أُطلق صاروخ يعمل بالوقود الصلب من قاعدة زيجانق ليصيب أحد الأقمار الصناعية الصينية الذي كان يدور في مدار قطبي متخصص في الأرصاد الجوية، ويذكر أن الصاروخ المضاد للأقمار الصناعية لم يكن مجهزًا برأس متفجر، بل دمّر القمر بالاصطدام فقط. ومع ذلك، فقد نتج عن هذا الانفجار ما بين 2300-2500 جسم، أصغرها كان بحجم كرة التنس. ويعد هذا الحدث الأكبر في تكوين مخلفات الفضاء.

في يونيو عام 2007 وبسبب كم المخلفات الناتج عن التجربة الصينية، غُيِّر مسار القمر الصناعي، المركبة الفضائية تيرا، المتخصصة في دراسة المناخ؛ لتجنب الاصطدام المحتمل بهذه المخلفات وهي المرة الأولى التي تضطر فيها ناسا لتغيير مسار مركبة أو قمر صناعي. يكمن الاختلاف بين التجربة الأمريكية والتجربة الصينية والسوفيتية، أن الأقمار في التجربة الأولى كانت على مدار منخفض والمخلفات الناتجة عن الانفجار احترقت في الغلاف الجوي للأرض، بينما التجربة الصينية كان الانفجار على ارتفاع 550 م عن سطح الأرض والمخلفات التي نتجت انتشرت بين 200 كم و3850 كم، مما يؤثر في غالبية الأقمار الموجودة في مدار الأرض المنخفض. تعد التجربة الصينية الحدث الأكبر في تكوين المخلفات، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق، هما أكبر المتسببين في المخلفات الفضائية على مدى 50 عامًا منذ التجربة الفضائية الأولى. وفي 10 فبراير 2009، اصطدم قمران صناعيان ببعضهما بعضًا وهما: ايري يوم 33 الأمريكي، وكوسموس الروسي، ونتج عن هذا التصادم ما بين 500 – 600 جسم لا يتعدى حجم بعضها 10 سم.

قاست وكالة ناسا الفضائية احتمالات حدوث حادث خطير بالنسبة لإطلاق مكوك فضائي، نتيجة وجود هذه المخلفات الفضائية. فوجدت أن هناك احتمال وقوع حادث خطير لكل 318 عملية إطلاق مكوكية، ويعتقد أن بعض هذه المخلفات الناتجة عن الاصطدام، قد تبقي في مدار الأرض مدة 1000 عام. وقد أصدرت وكالة ناسا الفضائية تقريرًا يحدد مقدار المخلفات الفضائية في مدار الأرض الناتجة عن الرحلات الفضائية لكل دولة. في 12 مارس 2009 أُخليت محطة الفضاء الدولية لاقتراب جسيم فضائي بصورة خطرة من المحطة ويقدّر طول الجسم بثلث بوصة. ولأن لهذا الجسم قدرة تخريبية كبيرة من الممكن أن تقدر بقيمة 100 بليون دولار، ونتيجة لتأخر إبلاغ رواد المحطة واللجوء إلى كبسولة الإنقاذ سويوز، لحمايتهم من انخفاض الضغط الحاد في حال وقوع اصطدام. سقط جزء من حطام قمر صناعي روسي كان يستخدم لأغراض تجسسية قرب طائرة الإيرباص التابعة لخطوط لان الجوية في رحلتها من سانتياغو تشيلي إلى أولاند نيوزيلندا وعلى متنها 270 راكبًا إبانّ طيرانها عبر المحيط الهادي وذلك في 22 مارس 2007. 

كيف تكون أضرار هذه الأجسام؟

حذرت اللجنة في العام الماضي، من أن عدد الأجسام الجديدة والحطام الناجم عن الاصطدامات في بعض مدارات الأرض المنخفضة يتجاوز العدد الذي يُزال طبيعيًا بفعل مقاومة الغلاف الجوي الطبيعية، وقد حددت قواعد تهدف إلى الحدّ من مخاطر الحطام المداري، مع الإشارة إلى أن اللجنة هي الهيئة الناظمة للأقمار الصناعية، وبما أن هذه الأجسام تستخدم ترددات لاسلكية. أما بعض المناطق الأخرى، فهي تحتوي على ما يكفي من الحطام المداري؛ مما يدفع بعض المحللين لقول إنها شارفت بالفعل على بلوغ مرحلة خارجة عن السيطرة، حيث يستمر الحطام بالتزايد بشكل لا متناهٍ. قال جوناثان ماكداول، عالم الفضاء في مركز الفيزياء الفضائية لدى معهد بحوث هارفرد وسميثسونيان: «نحن في مرحلة تحوّل في استخدام البشر للفضاء». وأضاف: «نرى عددًا متناميًا من الأقمار الصناعية التي تتعرض للضرر بفعل اصطدامها بالحطام المداري، وفي بعض الحالات، تتعرض، الأقمار الصناعية للدمار». كانت الشركة المشغلة للأقمار الصناعية «فياسات» قد حذّرت من مخاطر التكتلات الكبرى، مشيرةً إلى ارتفاع خطر تعرّض بعض الأقمار الصناعية على الأقل للإخفاق حين تكوّنت آلاف المركبات الفضائية في المدار. قال جيم برايدنستين، عضو مجلس إدارة «فياسات»، والإداري السابق في وكالة «ناسا» للمشرّعين في جلسة لمجلس الشيوخ الأمريكي في عام 2022: «إنه مع وجود أساطيل ضخمة في المدار، يُتوقع حصول ارتفاع دراماتيكي في الاصطدامات الفضائية، ينجم عنها المزيد من المخلفات الفضائية».

كيف ترصد هذه المخلفات الفضائية؟

الرصد بواسطة الأجهزة الأرضية

إما بالرادارات التي لها القدرة على رؤية الأجسام الفضائية، والمنتشرة في عدة دول، مثل ألمانيا، واليابان، وروسيا، وأوكرانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، ويعد رادار غولدستون التابع لوكالة ناسا أدق هذه الرادارات حيث له القدرة على رؤية جسم قطره 2 ملم على ارتفاع 500 كم، وإما بالتليسكوب «المقراب»، حيث يمكن رؤية الأجسام الفضائية عندما تعكس أشعة الشمس أثناء الليل.

 الرصد بواسطة مركبات فضائية

 ويكون ذلك بفحص أجسام المركبات العائدة إلى الأرض وتقدير عدد المخلفات تباعًا، ويحسب على أساس المدة التي قضتها المركبة في الفضاء ومساحة السطح المعرض للاصطدام بالمخلفات الفضائية. كما يكون الرصد بإرسال أقمار صناعية خصيصًا لرصد الأجسام الفضائية حيث تُرصد بالأشعة تحت الحمراء.

كيفية التخلص من مخلفات الفضاء

اقترحت وكالات الفضاء والشركات الخاصة، وسائل عدة لتنظيف مدار الأرض، فقد تدفع مهمات خاصة أقمار صناعية نحو الأسفل، لتحترق في الغلاف الجوي أو تدفعه بعيدًا إلى مقبرة الأقمار الصناعية باستخدام تقنيات قديمة، كالشركات وحراب الصيد. تدعو خطط أخرى لاستخدام ليزر أرضي يُسخّن جانبًا من القمر الصناعي؛ مما يؤدي لسقوطه في الغلاف الجوي. وهناك تجربة أجرتها شركة «استروسكيل» اليابانية، التي استخدمت فيها قمرًا صناعيًا من نوعية خادم صُمم ليزيل النفايات الفضائية بأمان، وقمرًا آخر من نوع العميل. تهدف التجربة لعرض نظام مغناطيسي يمكنه التقاط الأجسام المستقرة وحتى المتدحرجة والتخلص منها، أو صيانتها في المدار. وبعد أجندة اختبارات متعددة المراحل سيخرج القمران بعد ذلك من المدار ويتفككان في أثناء سقوطهما الناري في الغلاف الجوي لكوكب الأرض. وستكون هناك مهمة أوروبية، لتنظيف الحطام الفضائي عام 2025 باستخدام روبوت يقوم بالقبض على هذه الخردة من مدار الأرض، إلا أن هذه المهمة ستواجهها كثيرٌ من المصاعب والتحديات إن حدثت، خصوصًا مع دخول الشركات الخاصة إلى مجال العمل الفضائي، كالشركات التي تحاول إطلاق رحلات سياحية، بالرغم من محاولتها التخفيف من نسب الحطام، إلا أن هذه المحاولات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، مالية وتقنية، التي من الممكن أن تزيد من تفاقم المشكلة. والتي تهدد عمليات الإطلاق وتزيد من مخاطر تحليق المركبات الفضائية حول الكوكب. وفي الختام، علينا أن نعلم أن الفضاء مسألة حيوية لنا جميعًا، وعلى الإنسان أن يدرك أن بيئة الفضاء لا تقل أهمية عن بيئتنا في الأرض.

Share This