تقنية الجسيمات الشحميّة

النانويّة:

بصيص أمل في علاج السرطان

طارق‭ ‬راشد‭ – ‬باحث‭ ‬وإعلامي – 1 اكتوبر- 2021

السرطان مرض يُهدد الحياة، ويفضي إلى وفيات تُقدّر بالملايين سنويًا. ورغم أن الطفرات التي أُنجزت في علوم الطب حسّنت تشخيص هذا المرض إلى حدٍ كبير في القرن الحادي والعشرين، ما زال السرطان واحدًا من أخطر أسباب القلق الطبي. يتطلّب السرطان علاجًا مُعقَّدًا ينطوي على طرائق كثيرة، كالعلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي والعلاج الهرموني، وأحيانًا يتطلّب استئصال جراحيّ للأنسجة السرطانية. وفي جميع هذه العلاجات، وُجِدَ أن أحد العراقيل الأساسيّة أمام العلاج الفعّال ونجاة المرضى لمُدّة طويلة يكمن في تحديد الخلايا السرطانيّة، والتمييز بينها وبين الخلايا السليمة. لكن النبأ السار أن هذا الجانب من جوانب البحث – المعروف بالعلاج الاستهدافيّ – يحقّق تقدمًا سريعًا بدعمٍ من طفرات في علم المُستحضرات الدوائيّة الحيويّة، بخاصة ما يُعرف باسم تقنيّة الجسيمات الشحميَّة النانويّة.

ما تقنية الجسيمات الشحميّة النانويّة؟

تخفق خيارات العلاج التقليدية في استهداف الخلايا السرطانية بشكلٍ انتقائي دون تدمير الخلايا السليمة. وفضلاً عن هذا الاستهداف الخلوي غير المحدّد، هناك تحدّيات أخرى كقصور ذوبانيّة عقاقير السرطان، ومن ثم تلقي جرعات مُخففة من العقاقير، مما يؤدّي في نهاية المطاف إلى علاج قاصر ومعدّل نجاة مُتدنٍ للمرضى. وتقدِّم تقنيّة الجسيمات الشحميّة النانويّة الآن علاجًا ثوريًا؛ إذ تتعاطى مع هذه التحدّيات. وجوهر هذه التقنية جسيمات دقيقة تُعرف باسم ((الليبوزومات)) (أو الجسيمات الشحميّة). وهذه جسيمات نانويّة بالغة الصغر ترواح أقطارها عادةً ما بين 100 و300 نانومتر. وتتشكّل بشكلٍ تلقائي عند تروية فوسفوليبيدات (شحوم فوسفوريّة) بعينها بالماء. وهذه الناقلات الشحميّة الكرويّة الشكل يمكن استخدامها لحصر مجموعة متنوعة من المركبات المُستخدمة في العلاجات، وتحقيق الاستقرار لها، وضمان مرورها الآمن عبر الجسم حتى تصل إلى موقع مُستهدف محدّد بمنتهى الدقة. وبسبب طبيعتها، من الممكن تحميل الماء والمكوّنات النشطة القابلة للذوبان في الدهون عليها. وهذا يجعلها ناقلات مثاليّة للعقاقير المضادة للسرطان في العلاج الاستهدافي للخلايا السرطانيّة. ولذا، فإن هذه التقنية لا تساعد –فحسب- على تحديد واستهداف الخلايا السرطانيّة بشكلٍ انتقائي، وإنما تزيد أيضًا من الامتصاص الخلوي للعقاقير، مما يَعِد بنتائج فعّالة ومنقذة للأرواح. 

كيف تُشكِّل تقنية الجسيمات الشحميّة النانويّة العلاج الاستهدافي للسرطان؟ 

إنَّ الجسيمات الشحميّة من بين المواد النانوية التي حظيت بأكبر قدرٍ من الدراسة، وأثبتت الدراسات ذات الصلة أنها يمكن أن تكون مفيدة في العلاج الاستهدافي للسرطان. ويمكن استخدامها في كثير من آليات إعطاء العقاقير. ولحجمها الدقيق، من الممكن أن تتوغل في الأورام وتطلق العقاقير في الحيز بين الخلويّ. فالجسيمات الشحميّة التي تُقدر أقطارها بـ 100 نانومتر تتوغّل بسهولة في الأورام، وتبقى لمُدة أطول. والأجسام المضادة المرتبطة بالجسيمات الشحميّة تستهدف مستضدات نوعيّة للورم، مما يضمن الاستهداف الفعّال، وكذلك نقل العقاقير إلى الورم. على سبيل المثال، استُخدمت الأشكال الشحميّة لعقار الأدريامايسين لمكافحة سرطان المبيض النقيليّ، إذ ثبتت فائدتها السريريّة الملموسة.

وتمتلك الخلايا السرطانية مُستقبلات محدّدة على سطحها. وتستطيع المُستضدات المرتبطة بالجسيمات الشحميّة المُهَندسَة استهداف المُستضدات النوعيّة للورم لضمان الاستهداف النشط، ثم النقل الفعّال للعقاقير إلى الورم. وفور ارتباط الجسيمات النانويّة بالمستقبلات على سطح الخليّة السرطانيّة، تمتصها الخليّة، وينطلق العقار في الموقع المنشود. وللاستقرار الحيوي للجسيمات الشحميّة، يُنقل العقار إلى موقع الورم المُستهدف فقط فور وصوله إلى الخليّة السرطانيّة. ويحدّ ذلك من الآثار الجانبيّة التي قد تصيب الأنسجة السليمة المحيطة عادةً. وهذه الجسيمات النانويّة أيضًا فعّالة في الوصول إلى الخلايا السرطانيّة في بعض أكثر المناطق صعوبة في جسم الإنسان، كأنسجة المخ. لا يسمح الحاجز الدماغي الدموي عادةً بمرور المواد السامّة الغريبة. لكن، تستطيع الجسيمات النانويّة أن تعبر الحاجز الدماغي الدموي، وتصل إلى الأنسجة السرطانيّة لإيصال الدواء بفعاليّة وبأقل قدرٍ من المساس بالمكوّن الفعّال للعقار. ولذلك، فهي مفيدة في علاج سرطان المخ المُعقّد أيضًا.

إن الدُوكسُورُوبِيسِين الشحميّ علاج كيميائي ملفوف داخل جسيم شحميّ، ويُحقن في الموقع السرطاني. ويعمل عن طريق تعطيل وظيفة الجين السرطاني، فيمنع بذلك نمو الخلايا السرطانيّة. وهذا الأسلوب مفيد خصيصًا في علاج سرطان المبيض والورم النخاعي المُتعدّد. بالنسبة إلى علاج السرطان باستخدام تقنيّة الجسيمات الشحميّة النانويّة، يُعدُّ حجم جسيمات النانو وشكلها عاملاً محوريًا يُحسِّن امتصاص الدواء وتوزيعه داخل الخلايا. ولمّا كان الحجم المثالي يراوح بين 80 و100 نانومتر، تستطيع جسيمات النانو هذه أن تتعامل مع عوائق التوافر الحيويّة المتعددة التي تتصدّى لها في أثناء مرحلة العلاج. ولهذه الأسباب جميعًا، تُعدُّ الجسيمات الشحميّة نظام إيصال مبتكرًا وواعدًا للعقاقير؛ لتوافقها الحيوي وانخفاض سميتها، وقابليتها للتحلّل الحيوي. 

الحكومات وضرورة تشجيع أبحاث تقنية النانو 

عكفَ الباحثون على مستوى العالم على استخدام تقنية الجسيمات الشحميّة النانويّة في علاج السرطان بأنواعه لما يقرب من عقدٍ من الزمان. وعلى الحكومات أن تبحث فكرة استحداث نظم ومحفزات للشركات لتصنيع الحاملات النانوية الشحميّة. ستفتح الأبحاث الممولة من الدولة التي تتناول فعالية تقنية الجسيمات الشحميّة النانويّة في علاج السرطان آفاقًا جديدة أمام المجتمع الأكاديمي، وصناعة المستحضرات الدوائيّة على حدٍ سواء، وبدعم ووعي لائقين. لا شك أن استخدام صناعة المستحضرات الدوائيّة للجسيمات الشحميّة سيزداد سريعًا خلال خمس إلى عشر سنوات، إذ من الممكن أن يؤثر بالإيجاب في مكافحة العالم كله لمرض السرطان في السنوات المقبلة. 

Share This