تقنية النانو

في معالجة المياه

د.عبدالله المقبل- هندسة كهربائية – مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

د.عبدالله التميمي – علوم وهندسة المواد – مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

تواجه المجتمعات البشرية تحديًّا صعبًا في تأمين المياه الصالحة للشرب والريّ، التي تشهد طلبًا متزايدًا مع تزايد فترات القحط والاستهلاك المفرط لمصادر المياه السطحية والجوفية، وتدني نقاوتها بسبب تفشي التلوث البيئي. وهو الأمر الذي أدى إلى بروز مظاهر شح المياه في عدد من مناطق العالم، ودفع الباحثين وصنَّاع القرار إلى النظر في تطوير تقنيات فعالة لتعظيم الإفادة من مصادر المياه المتوفرة سواء كانت مياه عذبة أم آسنة.

ومن بين تلك التقنيات تقنية النانو التي تُعنى بتصميم المواد وهندستها بأبعاد نانوية تقارب حجم الذرة، وكذلك دراسة خصائصها وإنتاجها بدقة عالية باستخدام تقنيات مختلفة كالترسيب الكيميائي. ولذا يمكن لتقنية النانو أداء دور مهم في تعقيم المياه ومعالجتها من الشوائب بعدة طرائق.

الطريقة الأولى، وهي الأكثر شيوعًا، الأغشية النانوية والمطبقة بكثرة في تنقية مياه الشرب ومعالجة المياه الآسنة. وتعمل على تصفية الملوثات التي تراوح أبعادها بين 1 و100 نانومتر، وهي أغشية ذات مسامات تراوح بين 4 وأقل من نصف نانومتر. ونظرًا لدقة مساماتها فإنها تصفي المياه بآليتين مختلفتين التناضح العكسي والترشيح المستدق. وهي تقنية فعالة لتصفية كدرة المياه وعسرها، ولذا تستعمل في معامل تحلية المياه ومصانع إنتاج مياه الشرب. كما أظهرت فعاليةً في إزالة أيونات الكالسيوم والصوديوم والكائنات الدقيقة كالبكتيريا والفيروسات، ولذلك فإنها التقنية الأوسع استعمالًا لتنقية المياه حاليًّا. 

الطريقة الثانية هي تعقيم المياه بالضوء فوق البنفسجي. فقد وجد أنَّ لدى الضوء فوق البنفسجي قدرة على تعقيم الكائنات المجهرية كالبكتيريا والفيروسات بسبب امتصاصية الـ (DNA) العالية للضوء خاصة ضمن النطاق (260 – 280) نانومتر. وتقدم تقنية النانو إمكانية تصنيع باعثات ضوئية فوق بنفسجية عالية الكفاءة وصديقة للبيئة باستعمال مادة من أشباه الموصلات وهي مادة الـ (AlGaN) التي تتركب من النيتروجين والألمنيوم والغاليوم. حيث تتكون الباعثات الضوئية من طبقات نانوية أحادية البلورة وعالية النقاوة من مادة الـ (AlGaN) يتم تحضيرها عادةً بطريقة الترسيب الكيميائي للبخار (الـ (AlGaN) المنتج للضوء فوق البنفسجي 280 نانومتر هو مزيج مركب من نتريد الألمنيوم مع نتريد الغاليوم ممزوج بنسبة50٪ – 50٪ تقريبًا). وأهم هذه الطبقات هي طبقة الآبار الكمومية، وهي الطبقة النشطة التي ينبعث منها في الضوء فوق البنفسجي بطول موجي يتم التحكم فيه برفع وخفض نسبة الألمنيوم في الـ (AlGaN). ويتم تعقيم المياه بتمريرها على الضوء فوق البنفسجي. وتعتمد فعالية عملية التعقيم بالضوء فوق البنفسجي على الطاقة الضوئية المنبعثة، وكمية المياه، وزمن التعقيم. ويراعى عادة ألاّ تقل نسبة التعقيم عن 99.999٪، لكن لا يزال تصنيع باعث ضوئي فوق بنفسجي عالي الكفاءة من التحديات الصعبة أمام الباحثين، نظرًا لقوة الرابطة الأيونية بين الألمنيوم والنيتروجين، التي لها أثر في جودة تحضير المادة ونقاوتها وعملها. 

الطريقة الثالثة، باستخدام الجسيمات النانوية (مثل الغرافين)، التي تتمتع بخاصية ارتفاع نسبة السطح إلى الحجم بسبب ضآلة حجمها. وهذا الأمر يكسبها سطحًا أملساً نسبيًّا بمساحة تفاعلية ونشاطية أكبر بكثير من الجسيمات التقليدية التي يتجاوز قطرها 1 ميكرون. وميزة السطح المتفاعل هي قدرته على تصّيد (اشتراب) الشوائب وامتصاصها أو امتزازاها. ونظرًا للعلاقة العكسية بين نشاطية سطح المادة وقطرها، فإنَّ الباحثين يسعون إلى تصغير قطر الجسيمات النانوية لزيادة قدرتها على اشتراب الملوثات من المياه. كما يمكن تطعيم الجسيمات النانوية بمركبات كيميائية نشطة لزيادة كفاءتها ونشاطيتها وانتقائيتها في تصيد الملوثات من المياه. وقد أثبتت التجارب المخبرية والميدانية قدرة الجسيمات النانوية على تطهير المياه من الملوثات المختلفة كالأيونات والمعادن والأكاسيد وأملاح الفلور وغيرها. 

لكن مع ذلك يجب الأخذ بالحسبان كلفة ووقت تصنيع هذه المواد، وكذلك كفاءة عملها ودراسة أثرها في البيئة والتربة في حال استعملت لتنقية منابع المياه السطحية والجوفية، وسلامتها للجسم في حال استعملت لتنقية مياه الشرب. إنَّ الاستثمار في تطوير تقنيات جديدة ومنها تقنيات النانو وتسخيرها لرفع كفاءة استعمال الموارد ضروري لاستدامة وجود الإنسان على هذا الكوكب، خصوصًا مع تسارع النمو السكاني والعمراني في مختلف أقطار العالم. 

Share This