رحلة السيليكون

من الانفجار العظيم النانو الكمّي وصولاً إلى سهم الزمان

منير نايفة‭ – ‬عالم فيزياء ذرية مشهور بعمله الرائد في علم النانو وتكنولوجيا النانو – 1 اكتوبر 2021

الكون الحراري والانفجار العظيم 

بدأ الكون، في الفهم الحالي، من نقطة صفرية واحدة ذات حجم صغير جدًا وبفعل طاقة حراريّة عالية وغير نهائية لا يمكن للبشر فهمها أو تخيلها حتى باستخدام أحدث المعدّات والأجهزة المستقبليّة. لقد بدأ الكون الصفري في التمدّد في اتجاه واحد، وبسرعة غير معروفة للإنسان تتجاوز سرعة الضوء الهائلة. ومع هذا التوسّع بدأت عملية إنشاء محتوى هذا الكون والقوانين الفيزيائية الأساسيّة المرتبطة به، التي تحكم ما يحدث، ويجري فيه. 

الكون الكهرومغناطيسي (الكون المظلم) 

جاء الكون الكهرومغناطيسي بعد الكون الحراري والانفجار العظيم، عندما بدأت الحرارة في التحوُّل إلى طاقة موجات كهرومغناطيسية ذات تردّد مستمر، ولكنَّ معظمها ذا تردد عالٍ، مثل: أشعة جاما (غير مرئية)، ثمَّ بدأت الطاقة الكهرومغناطيسيّة في التحول إلى جسيمات ذات كتلة أساسيّة، مثل: البروتونات (شحنة موجبة)، ونيوترونات (شحنة محايدة)، وإلكترونات (شحنة سالبة)، إلخ. البروتونات (نيوترونات)(إلكترونات) متطابقة في الكتلة والشحنة والحجم والدوران، إلخ. 

الكون الذري الساطع 

من ثم بدأت البروتونات والنيوترونات في تكوين مجموعات صغيرة (نوى)، في الفترة التي أعقبت إنشاء الجسيمات الأوليّة، بينما بدأت الإلكترونات في الدوران لتحييد الشحنة الكهربائيّة الموجبة، مكوّنةً مجموعة من الذرات. وقد شكّلت هذه الذرات أصغر لبنات البناء للجزيئات والمادة الصلبة. وقد أدّى تكوين الذرات إلى تغيير الكون المتوسّع من مظلم إلى مرئي ساطع، إذ إن الضوء المرئي بالعين البشريّة ينبعث عند ابتعاد أو اقتراب الإلكترونات عن النوى. 

كون النانو وكون السيليكون ( الحالي ) 

بدأت مجموعات الذرات أو الجزيئات في التكوّن، مباشرة بعد الكون الذري الساطع. وتسمى تلك الجسيمات المتكونة، التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة، بالنانويّة في حال كان عدد الذرات صغيرًا (أقلّ من مليون). أما إذا كان عدد الذرات مرتفعًا جدًّا، فسيتم تكوين المادة الصلبة. إنَّ المجموعات النانويّة تمثل الانتقال بين ما نسميه العالم الذري وعالم المادة، وأنَّ جميع أنواع الذرات لها دور في حياتنا، لكنَّ الكربون والسيليكون والمعادن والهيدروجين والأكسجين (وجزيء الماء) هي الذرات الأكثر تأثيرًا. فالكربون (المدعوم بالهيدروجين والأكسجين) هو أساس الكائنات الحية (الإنسان، والحيوان، والنبات وما إلى ذلك)، والسيليكون ومجموعة متنوّعة من المعادن تدعم المواد التقنيّة (الصخور، والمعادن، ومواد البناء، والزجاج، والفخار، والأدوات، وأجهزة الكمبيوتر، إلخ) التي تضمن استمراريّة الجنس البشري. 

يحدّد السيليكون، في الواقع، تاريخ الحضارة البشريّة، فقد كان السيليكون موجودًا وسط كل قفزة تكنولوجيّة كبيرة، لكنه لم يكن وحده في هذا الصدد، إذ تعدُّ المواد النانويّة القائمة على السيليكون (السيليكون، والسيليكا، والسيليكات، والسيليسيدات) أحد أهم مكوّنات عالم النانو. ولذا فإن السيليكون هو الأفضل للإجابة أو فهم كيفيّة تحويل خصائص الذرّات أو انتقالها إلى خصائص الكتلة والبلورات. أما كيمياء السيليكون فهي مثيرة للاهتمام ومميّزة جدًّا. وفي الواقع، إنَّ خصائصه الأساسيّة حساسة وقابلة للتغيير بشكل كبير تحت تأثير مجموعة متنوّعة من العمليات التي تحدث بشكل طبيعي، أو في المختبر. وهذا ما جعل السيليكون مفيدًا في مجالات متنوّعة عبر التاريخ. أولاً: إذ إنه كعنصر لا يمكن عزله بشكل طبيعي لأنه شديد التفاعل، فهو يتفاعل مع الهيدروجين لتكوين غاز السيلان (Saline). ويحثه الأكسجين على تكوين مركبات صلبة (رمل، زجاج، أو كوارتز)، ويتّصل ببعض المعادن لتشكيل السيليسيدات (Silicides) مثل سيليسيد الذهب (Si-Au)، كما يشكل الصخور الصلبة (السيليكات والطين) عند اتصاله بالأكسجين وبعض المعادن (المغنيسيوم والألمنيوم والحديد) في نفس الوقت. ثانيًا: إنَّ بلورة السيليكون هي شبه موصل كهربائي يقع بين الموصل والعازل، كما أنها تذيب بعض أنواع المعادن. مما يسمح للمرء أن ينشئ أجهزة إلكترونيّة عبر التلاعب بخصائص التوصيل والتحكم في مفتاح التشغيل، أو إيقاف التشغيل، عن طريق تعاطي تلك البلورات لمنشطات أو إذابة بعض المعادن الخاصة (البورون، والزرنيخ، والفوسفور) الموجودة فيها. كما يمكن للمعادن النبيلة وغيرها، بنسب معينة، أن تذوب وتشكل سبيكة داخل السيليكون لإنتاج مركب جديد بنقطة انصهار أقل بكثير من أيٍّ منهما، ويمكن استخدامه في اللحام النانوي، والميكروي، وكذلك لترقية الترانزستورات.

كمبيوتر السيليكون

لم يعتمد كمبيوتر الجيل الأول على السيليكون، فبدلًا من ذلك استُخدمت تقنية الأنبوب المفرغ، وأُصدر الكمبيوتر في عام 1943-1944، وقد بُرمج باستخدام مفاتيح ولوحات توصيل. وكان الكمبيوتر، في ذلك الوقت، بحجم الغرفة واستخدم في بريطانيا لكسر الرموز الألمانيّة، والفوز بالحرب العالمية الثانيّة. أما الجيل الحالي من الكمبيوتر فيعتمد على السيليكون، إذ ظهر أول ترانزستور من السيليكون في أواخر الأربعينيات عندما بُنيَ أول ترانزستور من السيليكون بأكسيد المعدن من قبل محمد عطا الله وكاهنج في عام 1960، مما أطلق سباقًا شرسًا بين شركات الإلكترونيّات، وأحدث ما يسمى ثورة الترانزستور. ولا يزال الترانزستور يدعم التطوّرات الحديثة في الحوسبة حتى اليوم، فقد صنع البشر ترانزستورات أكثر من أي قطعة أثريّة أخرى صنعها في التاريخ، أكثر من 13 سكستليون، أو 13 متبوعًا بـ 21 صفرًا. ولذلك أصبحت ترانزستورات السيليكون الآن من أرخص ما يصنعه البشر على الإطلاق، إذ يكلف إنتاجها جزءًا من المليار من الدولار. 

الإلكترونيّات الذريّة (إلكترونيّات النانو والحوسبة الكميّة) 

استغرق السيليكون آلاف السنين لترسيخ مكانته في حجر الأساس للحضارة، ولكن في الستين سنة الماضية، سمحت الابتكارات السريعة في السيليكون لصناعة الحوسبة بإحداث ثورة في المجتمع في جزء صغير من الوقت. وأصبحت أجهزة الكمبيوتر أكثر قوّة مع تقلّص الترانزستور. ومع ذلك، فإنَّ قوانين ميكانيكا الكم وقيود التصنيع قد تمنع قريبًا المزيد من الانخفاض في حجم الترانزستور. وفي الوقت الحاضر، لا يمكننا وضع عدد أكبر من الترانزستورات في دائرة متكاملة (IC). نتيجة لذلك، يحاول العلماء حاليًّا حلّ قيود هذا العنصر. وقد يكون الحل في أن تذهب صغيرًا، أبعد من الصغير، إلى النقطة التي تلعب فيها ميكانيكا الكم دورًا فاعل.

هناك ثلاثة حلول قيد البحث: أحدها هو الإلكترونيّات الذريّة المصوغة، حيث تعتمد الترانزستورات على ذرة واحدة أو ذرات قليلة. فعلى سبيل المثال، يجري وضع ذرة الفوسفور المعدني (P) في مكان محدّد في قناة ترانزستور السيليكون. وبما أن بوابة (G) تتحكم في مستويات الطاقة المنفصلة، فبالتالي هي تتحكّم في الموصلية على المستوى الذري. وبذلك يؤدي هذا الترتيب لترقية ترانزستور السيليكون إلى تأثيرات كمومية وأجهزة أحادية الإلكترون. فيصبح الترانزستور رقميًا، ويعمل بتيار منخفض جدًّا لإلكترون واحد، ويصبح أسرع، ويحتاج إلى طاقة أقل بكثير لتشغيله.

الحلّ الآخر الذي تقوم به كثير من المجموعات في الجامعات والصناعة هو استبدال استخدام ذرة واحدة بمحلول ذي عدد قليل، أو جسيم واحد، من الجسيمات النانوية. فعلى سبيل المثال، جسيمات السيليكون النانوية بحجم واحد نانومتر تتكون من 29 ذرة سيليكون، لكن الجسيم الفردي يعمل كتراكيب شبيهة بالذرات (ذرة اصطناعيّة) له حالات طاقة منفصلة ناتجة أو أنشأها الحبس المكاني الكمي. 

والحل الثالث يكمن في وجود بنية نانوية ثالثة مثيرة للاهتمام، ويمكن استخدامها، وهي مصنوعة من مركب السيليسيد مثل سيليسيد الذهب (Si-Au). فعلى سبيل المثال، يرسّب فلمًا معدنيًا رقيقًا للغاية (حوالي 1 نانومتر) على قناة السيليكون في الترانزستور، ثم يتم تسخين الفيلم عند درجة حرارة معتدلة مناسبة. ويتفاعل الفلم مع السيليكون فيتكون الرابط التساهمي، وينقسم إلى جزر (Si-Met nano). تمتلك جزر السيليسيد المتكونة مقاومة كهربائية منخفضة، وهي محصنة ضد الهجرة الكهربائية بسبب الترابط التساهمي، مما يعمل على حصر الشحنة الكهربائية بشكل مناسب دون الحاجة لعزل أكسيد السيليكون إضافي. ويمكن تصنيع نقاط السيليسيد هذه بنجاح داخل منطقة التصريف في الترانزستورات.

يفتح ذلك عددًا من التطبيقات، مثل الترانزستورات أحادية الإلكترون. وقد كان الدكتور حسن نايفة من شركة (IBM) ومجموعة بحثية في (IBM) و(Global Foundry) في نيويورك، من الذين نجحوا مؤخرًا في استخدام تقنية السيليسيد في تقليص الترانزستور، وتطوير براءة اختراع لهذه التكنولوجيا. والآن يتم تطوير وتشغيل الكمبيوتر الكمي في شركة (IBM). إضافةً إلى وصول الترانزستور إلى حدوده القصوى في التصغير، فقد وصلت الذاكرة أيضًا إلى حدودها القصوى في التصغير. فمثلا، أجهزة الفلاش الحاليّة قد وصلت إلى حدودها التخزينية القصوى. فهي في الأساس قطعة من السيليكون متعدّد الكريستالات المدمجة في مركز الترانزستور، وتعد من أصناف الذاكرة غير المتطايرة التي لا تحتاج إلى طاقة لتخزين المعلومات. يتم تخزين المعلومات، في هذا النوع من الذاكرة، عن طريق تطبيق مجال كهربائي على ((بوابة عائمة)) كما ذكر في كتاب أجهزة الذاكرة المبنية على مواد نانوية حابسة للشحنة (Nanomaterials-Based Charge Trapping Memory Devices) للدكتور عمار نايفة من جامعة خليفة، والدكتورة نازك الأتب من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. وتشكّل تقنية جسيمات السيليكون النانويّة واحدة من أهم حلول تكنولوجيا النانو. فقد استبدل فريق، يضم الدكتور أسامة نايفة في جامعة إلينوي بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، البولي سيليكون الصلب بعدد من بلورات السيليكون الصغيرة مفصولة بكميات دقيقة من عازل (SiO2)، كان قد اقترح هذا النوع لأول مرة من قبل (Tiwari) و (Hanafi) في (IBM). ونتيجة لذلك قلّت الحاجة إلى العزل وأصبحت الذاكرة تشغل نصف مساحة التخزين، بمعنى آخر، يمكن للذاكرة المستندة إلى الفلاش حمل ضعف عدد الأغاني، و بجهد أقل مما هو مطلوب لتخزين تلك الكمية من المعلومات. لقد سهل ذلك دمج ذاكرة الفلاش مع معالجة المعلومات على الشريحة نفسها، وقلّل التكاليف، كما يمكن لذاكرة الجسيمات النانويّة أن تجلب ذاكرة غير متقلّبة مباشرة إلى شريحة وحدة المعالجة المركزيّة، وهو ما يزيد من سرعة الوصول إلى البيانات ويقلّل من الطاقة وعدد الشرائح المستخدمة.

إضافةً إلى جسيمات السيليكون النانويّة، يمكننا استخدام البنية النانويّة المصنوعة من مركب السيليسيد، حيث إنها قادرة أيضًا على إنتاج ذاكرة عالية الكثافة.

الكمبيوتر الكمي( الحوسبة الكمية ) ذرّة صناعيّة فائقة التوصيل

هناك مثال آخر على الجهاز الإلكتروني الذري، وهو الكمبيوتر الكمي، الذي يتم تطويره حاليًا بواسطة فرق بحثية في كثير من الشركات بما في ذلك (Google) و (IBM). بدلاً من ترانزستورات السيليكون التقليديّة، تستخدم أجهزة الكمبيوتر الكمية ((ذرّات اصطناعيّة)) من معدن السيليكون لتشكيل دائرة صدى نانويّة. ويمكن حفر هذه الدائرة في رقاقة السيليكون الدقيقة، التي تصبح فائقة السرعة وموصل كهربائي فائق دون خسارة، تقريبًا، لتلك الطاقة عند تبريدها إلى حدود الصفر المطلق. تجدر الإشارة إلى أنه في أجهزة الكمبيوتر الكموميّة، لا شيء يتحرّك. ولتخزين المعلومات، يجب فقط مراقبة حالة دوران الإلكترون أو اتجاه التيار الفائق. ويمكن لأجهزة الكمبيوتر الكموميّة أن تحلّ مشكلات معقّدة للغاية، وحتى غير عملية تمامًا، بالنسبة إلى أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكيّة.

لقد أنشأ تحالف (Google) نظام كمبيوتر كمي بسعة 54 كيوبت (Qubit) يسمَّى (Sycamore)، واستخدموه لإجراء عمليّة حسابيّة معقّدة، يقدّر أن أسرع كمبيوتر عملاق في العالم سيستغرق عشرة آلاف عام لحلها، خلال 200 ثانية فقط. تجدر الإشارة أن إنتاج هذا النوع من الكمبيوتر تجاريًّا غير ممكن على المدى القريب نظرًا للحساسية العالية للكيوبتات، إذ إنها غير مستقرة لمدّة طويلة، كما أنَّ الاختلافات الدقيقة في الحرارة أو الاهتزازات تؤدّي إلى إيقاف تشغيلها. 

 

الكمبيوتر العضوي

هناك بديل مختلف تماما لتقنية ترانزستور السيليكون يستخدم التكنولوجيا العضويّة لتحقيق الإلكترونيّات. إنه جهاز إلكتروني عضوي جزيئي يتحكم بوظيفته بواسطة جزيئات مفردة. وهو أيضا بعيد المنال، فالتغلب على التحديات الحالية الرئيسة له تضع تقديرات إمكانية الوصول له في منتصف القرن الحادي والعشرين. فإن من أهم الحوافز لمثل هذا التغيير الجذري أنَّ الجزيئات تحدّث بشكل طبيعي هياكل نانومتريّة. فعلى سبيل المثال، قد تعمل سلسلة من الحلقات الأروماتيّة التي يتصل بعضها ببعض عن طريق روابط الأسيتيلين كسلك يوصل الكهرباء. كما يمكن أيضًا استخدام الأنابيب النانويّة الكربونيّة كأسلاك كهربائيّة، أو كدعم لعناصر الدائرة الجزيئيّة. وقد تعمل التكوينات الأخرى للجزيئات مقوِّمًا ثنائي الصمام، أو مكبرًا للصوت كما هو الحال في الترانزستور. 

النانو سيليكون وتزاوج الإلكترونيّات والبصريّات (الجسيمات النانويّة السيليكونيّة الساطعة) 

هناك طريقة أخرى حشدت كثيرًا من الدعم والاهتمام في العقدين الماضيين، وهي تصغير بلورة / رقاقة السيليكون نفسها. أما بالنسبة إلى الخصائص الضوئية لرقاقة السيليكون نفسها، فهي تمتص معظم الضوء وتحوّله إلى حرارة (أحلك مادة في الكون). وتعدُّ الأشعة تحت الحمراء العميقة استثناء؛ لأنها شفافة لها. وقد أظهرت التجارب والمحاكاة في جميع أنحاء العالم أنه عند التصغير إلى أحجام في “عالم النانو” (أقل من 100 نانومتر)، تبدأ مادة الرقاقة بشكل عام، والسيليكون على وجه الخصوص في إظهار خصائص إلكترونيّة وكيميائيّة وبصريّة قويّة تعتمد على الحجم (تشتت الضوء والتلألؤ). وفي هذا الصدد فقد طوَّر كاتب هذه السطور وفريقه البحثي في جامعة إلينوي إجراءات النقش الكهروكيميائية التي شتت رقائق (Si) إلى عائلة من الجسيمات النانويّة بالغة الصغر بدءًا من رقاقة السيليكون الداكنة. ونتج عن هذا الإجراء حساء من جزيئات قطرها (1 و1.7 و2.2 و3 نانومتر). وتتوهج تلك الجسيمات بشكل مذهل باللون الأزرق والأخضر والبرتقالي والأحمر على التوالي لتغطي الطيف المرئي. فالجسيم 1 نانومتر أزرق مضيء، ويحتوي على 29 ذرة (Si). على عكس السيليكون الكتلي، وهو المادة الأكثر بهتانًا في الكون، كما أنَّ الجسيمات النانوية ساطعة بشكل مذهل لدرجة أنه يمكن تسجيل الضوء من جسيم واحد. وفي تقرير لمجلة نيتشر، تم تشبيه ظهور الضوء من السيليكون بظهور الضوء في وقت الخلق في علم اللاهوت الكتابي، أو في عصر تشكُّل الذرات في نظرية الانفجار العظيم. وأثبتت مجموعتنا البحثية أن الجسيمات النانوية يمكن إعادة تشكيلها في الغرويات، والبلورات، والأفلام، وحزم الموازاة للتسليم المتحكم به لاحقًا لجميع أنواع التطبيقات. وهذه التكنولوجيا والتطبيقات مدعومة بـ 24 براءة اختراع أمريكية صادرة، بعضها مشترك بين زين يماني، ومحمد الصالحي، وعبد الله الضويان، وتركي آل سعود، وعبد الرحمن المهنا، وابتسام العليان، ومنصور الهوشان، وسلمان الركيان من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك سعود.  

وجدت نانو السيليكون، إضافةً إلى الإلكترونيات، تطبيقات ضوئيّة متقدّمة عالية التقنيّة. وتشتمل أجهزة النماذج الأوليّة المحدّدة على الخلايا الشمسيّة النانويّة، وخلايا الوقود الحيوي، والضوء الأبيض الفوسفوري، والكاشف الضوئي، والمكثف الفائق للتخزين، وأجهزة استشعار الجلوكوز. على الصعيد الطبي، يمكن جعل الجسيمات النانويّة ذكيّة من خلال طلائها بمواد حيويّة وظيفيّة، بحيث ترتبط بشكل انتقائي بالجزيئات المهمة طبيًّا، مثل الحمض النووي أو الفيروسات. ومن ثَمَّ، يمكن استخدامها كمستشعر وعلامة للكشف المبكر عن الأمراض الحادة، مثل السرطان وعلاجه. بعضها مشترك بين ليلى أبو حسان من الجامعة الأردنيّة، وعمار نايفة من جامعة خليفة، وماجد الرقيشي من مسقط، ونهى الحلواني من القاهرة، ومنى الشهابي من حلب، وحنان ملكاوي من جامعة اليرمك، وعبد الرحمن العقل من جامعة الملك سعود، وخالد أبو صلاح من جامعة الملك سعود، وأوراد الشمري من جامعة الكويت. 

 

نانو السيليكون وسهم (اتجاه) الزمن 

إن الاضطراب (Entropy) وعلاقته باتجاه الوقت قد حاكى البحث في مجالات مختلفة، بما في ذلك نقل المعلومات في الاتصالات السلكيّة واللاسلكيّة. في العالم الكلاسيكي، يستمرّ نظام الديناميكا الحراريّة الإحصائيّة والوقت لا رجوع فيه، بينما في عالم الكم، الأحداث الفرديّة مهمّة والوقت قابل للعكس. وتركز كثير من الأنشطة البحثية الحاليّة على جدوى الوقت الكمي، وانعكاس الوقت في ميكانيكا الكم والانحلال الإشعاعي، والتفاعلات النوويّة، إضافةً إلى عدم رجوع الزمن في الحياة. وتشمل الدراسات السفر عبر الزمن إلى الماضي أو المستقبل، والتقلبات الكميّة، وخلق أكوان متعدّدة من الثقوب السوداء، والسفر بين الأكوان. كما أن هناك اهتمام بحثي بدقة الوقت وتأثيره في الحوسبة الكمومية فائقة التوصيل، وكذلك اتجاه نقل الحرارة (التبريد مقابل التسخين) في مجموعات النانو. ولذلك فإنه في أنظمة النانو، ذات عدد الذرات المحدود، ترتفع إمكانية اختبار القانون الثاني للديناميكا الحراريّة. تظهر النتائج المبكرة في مجموعات النانو غير المتوازنة القائمة على السيليكون بعض المفاجآت حول الديناميكا الحراريّة، والاضطراب، وسهم الزمن في مجموعات نانويّة. فقد وجد العلماء في جسيمات السيليكا النانويّة المحاصرة والمبردة أن التدفق يكون من البرودة إلى السخونة، وبذلك فهي تنتهك مؤقتًا القانون الثاني الشهير للديناميكا الحراريّة.

وتدرس مجموعتنا في جامعة إلينوي البنية الهندسيّة غير المتوازنة لجسيمات نانوية 1 نانومتر. بعد الترسيب السريع للطاقة باستخدام ضوء الفمتوثانيّة، حيث يرتاح الجسيم في هندسة توازن مع فجوة نطاق منخفضة، مما يؤدي إلى إطلاق ضوء مع حرارة أقل واضطراب في النظام. كما وجدت ناتاليا آريس (Natalia Ares) من جامعة أكسفورد أن غشاء نيتريد السيليكون (Si3N4) بسمك 50 نانومترًا ينتج المزيد من الاضطراب عند قياس الوقت بدقة أكبر.

ختاما

ليس فقط نانو السيليكون تبشر بالخير لأجهزة الكمبيوتر الكميّة والإنترنت والإلكترونيّات، فهي تبشر بالضوئيّات المتقدّمة وتحقيق الهدف المنشود منذ مدّة طويلة، والمتمثّل في التزاوج أو دمج البصريّات والإلكترونيّات. كما أعربت مجلة (Popular Mechanics) مؤخرًا في لقاء أقامته معي أن هذه التطبيقات الجذّابة لجسيمات السيليكون النانويّة ليست على الأرجح فطيرة في السماء، لأنَّ السيليكون لديه المرونة والقابليّة للتغلّب على توقعاتنا، تمامًا كما هو الحال منذ آلاف السنين. وفي الواقع، أظهرت هذه المقالة أنه، بغض النظر عمَّا إذا كان سيتم التخلص من الإلكترونيّات التقليديّة واستبدالها بنموذج تكنولوجي جديد، مثل الحوسبة الذريّة أو النانويّة أو الكميّة أو الإلكترونيّات الفتونيّة، سيظلّ للسيليكون مستقبل مشرق، وسيبقى جزءًا من هذا الحل، ففي جميع الحلول الممكّنة التي تتناولها هذه المقالة، تكون مادة السيليكون المادة النشطة أو المادة المضيفة.

Share This