صندوق
أبقراط الأسود
د. نورس دياب جراحة قلب – مستشفى فرايبورغ الجامعي – ألمانيا
في نهاية السبعينيات توصلت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA إلى اكتشاف مذهل، إذ تبين أن الخطأ البشري سبب رئيس في حوادث الطيران الكارثية، واليوم وبعد مرور حوالي 50 عامًا على هذا الاكتشاف وتحليله وتحسين مواضع الخلل فيه، أصبح الطيران من أكثر الوسائل الآمنة للرحلات الطويلة التي عرفها العالم حتى اليوم، فاستنادًا لما جاء في تقرير أداء سلامة الطيران الصادر عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي لعام 2021، فإن خطر الوفاة الإجمالي البالغ 0.23 % يشير إلى أن الشخص يحتاج وسطيًا للقيام برحلة جوية كل يوم ولمدة 10,078 سنة ليتعرض لحادثة تسبب حالة وفاة واحدة على الأقل(1). لكن الأمر ليس مشابهًا لحقل الأخطاء الطبية، فعلى الرغم من التطور التقني الهائل الذي حدث في المجال الطبي مؤخرًا، إلا أن الأخطاء الطبية لاتزال تودي بحياة الكثير من المرضى، ولا تزال آليات تجنب الأخطاء وتفاديها غير فعّالة كما في حالة الطيران.
البدايات
على الرغم من احتواء قسم أبقراط الطبي في نسخته الأصلية باللغة اليونانية على رموز تشير إلى ضرورة عدم الإضرار بالمرضى سواء بالنصيحة الغذائية أو الطبية، إلا أن الأخطاء الطبية قديمة قدم الطب نفسه، وفي أقدم إشارة تعود للعام 1860. كتب الطبيب والشاعر الأمريكي المشهور أوليفر ويندل هولمز (Oliver Wendell Holmes):”كثيرًا ما نسمع تصريحًا أن الضرر الناجم عن الأدوية أكثر من نفعها، إنني أعتقد اعتقادًا راسخًا أنه إذا كان بالإمكان إغراق كل المادة الطبية المستخدمة الآن في قاع البحر، فإن ذلك سيكون أفضل للبشرية وأسوأ للأسماك”. أحدث الدراسات تؤكد من جانبها على أن الأخطاء الطبية مسؤولة حاليًا عن وفاة 251 ألف شخص سنويًا في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وفقًا لدراسة نُشِرت عام 2017. أي أن الوفيّات الناجمة عن هذه الأخطاء تمثل 9.5i% من حجم الوفيّات كلها، ما يجعل الأخطاء الطبية السبب الثالث للوفاة بعد أمراض القلب الوعائية والسرطان.
وعلى الرغم من فداحة المشكلة وتفعيل أنظمة الإبلاغ عن الأخطاء في العديد من مشافي الولايات الأمريكية إلا أن نسبة الأخطاء الطبية التي تم الإبلاغ عنها لا تتجاوز 5-10i%، وفي 15i% من الحالات المُبلغ عنها اتُخَذت إجراءات فعليّة لتجنب تكرار الخطأ ذاته مستقبلاً. وزيادةً على ذلك، فإن هذه الإحصائيات لا تتضمن الوفياّت الناجمة عن أخطاء التمريض المنزلي، ومرضى العيادات الخارجية، وأخطاء الصيادلة والعيادات الخاصة، ناهيك عن أن هذه الإحصائيات المذكورة أعلاه لا تتناول سوى الوفيات، فالحالات التي انتهى فيها الخطأ الطبي باختلاطات غير قاتلة لكنها مسببة لعجز، أو ضرر صحي، أو سوء وظيفة تُقدَّر بعشر أضعاف عدد الوفيّات الناجمة عن الأخطاء وفق تقدير الخبراء.
فهم آلية الخطأ وتحليله (نموذج الجبن السويسرية)
في عام 1990 وضع عالم النفس البريطاني البروفيسور جيمس ريزن (James Reason) نموذج الجبن السويسري (Swiss Cheese Model) (صورة 1) كنموذج مرجعي لتفسير آليات حدوث الأخطاء وطرق الاستقصاء والوقاية للعديد من النُّظم الإنتاجية، واعتُمد هذا النظام في العديد من القطاعات الإنتاجية، كالطيران، والبحرية، والدفاع، والمفاعلات النووية، والطرق، والسكك الحديدية، بينما اعتمده القطاع الطبي متأخرًا. في هذا النموذج يشبّه ريزن الأنظمة البشرية بكتلة الجبن السويسري المثقب، إذ يتألَّف أي نظام بشري من عدة مستويات يمثل كل منها خطًا دفاعيًا ضد أي خطأ أو خلل، وتشابه هذه المستويات -على حد وصف ريزن- شرائح الجبن إذا ما قمنا بتقطيع الكتلة إلى شرائح، وكما أن هناك ثقوب مختلفة الأحجام في كل شريحة، فكذلك تتخلل مستويات الأنظمة البشريّة ثغرات يمكن للأخطاء أن تمر من خلالها، فالخطأ أمر وارد، وكبشر نستطيع التعامل مع الأخطاء الصغيرة والمحدودة كجزء من روتين الحياة. لكن قد يتحول هذا الخطأ لكارثة حقيقية إذا تمكن الخطأ من العبور عبر عدة مستويات في النظام، أي كما لو أن ثقوب شرائح الجبن وُضعت على خط واحد وسمحت للخطأ بالمرور عبر كل قطعة جبن لينتج عن ذلك كارثة بالمعنى الحقيقي.

بيئة الخطأ الطبي وأسبابه
ليس من الإنصاف طرح نتائج السلامة والأمن بين قطاعي الطب والطيران دون ذكر ولو جزء بسيط من الأسباب التي تقف وراء حجم المشكلة في المؤسسات الصحية، إذ تلعب عدة عوامل دورًا مهمًا في تعزيز إمكانية حدوث خطأ طبي، كضغط العمل العالي، ونقص القوى العاملة، وضيق الوقت مع طيلة فترة الورديات الليلية دون استراحات، إضافةً إلى ذلك تسهم عوامل الشدة، والقلق، وتعقيد الإجراءات، والمسؤولية التراكمية عن عدة أشياء بنفس الوقت بما فيها حياة المرضى. بالإضافة إلى ذلك يلعب كل من الخجل من الاعتراف بالخطأ والخوف من اللوم دورًا كبيرًا في عدم الإبلاغ عن الخطأ، تجنبًا للمسؤولية أو الحرج أمام الزملاء.
ونتيجة لنقص عدد الأطباء يضطر العديد منهم إلى العمل لساعات طويلة أو أيام متواصلة لتغطية النقص الموجود، وعلى الرغم من أن قوانين العمل تحدد ساعات العمل اليومية والأسبوعية للأطباء، بيد أنه كثيرًا ما يتم تجاوز هذه التشريعات والتغاضي عنها حتى في أكثر الدول تقدمًا. ولا يؤدي العمل المنهك المتواصل إلى حدوث أخطاء طبية فحسب، بل كثيرًا ما يؤدي إلى حدوث اضطرابات جسمية، ونفسية عند الطبيب نفسه، وفي بعض الأحيان يقوده الإرهاق إلى الوفاة أثناء العمل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، توفيت الطبيبة الصينية الأخصائية في الأمراض التنفسية (Zaho Bianxiang) بعد 18 ساعة من العمل المتواصل المجهد في ديسمبر عام 2018، الأمر ذاته حصل لطبيبة التخدير البولندية بعد 4 أيام من العمل المتواصل. ثمة أمر آخر مهم أيضًا وهو تعقيد الإجراءات الطبية، الأمر الذي يجعل من الحقل الطبي حقلاً واسعًا لحدوث الأخطاء بشكل أكبر مما هو عليه في قطاع الطيران.
استقصاءات الحوادث الطبية
في العقدين الماضيين ازدادت الحاجة لجمع المعلومات التي يمكن استخدامها في تحسين أنظمة المؤسسات الصحية والتقليل من الأخطاء فيها، و طُوِّرت العديد من الاستراتيجيات والأدوات لتقليل الأخطاء، وقد أطلقتها المنظمات المعنية بالأمن الصحي، ويمكن تلخيص الحلول المطروحة حتى اليوم على النحو التالي:
1.قائمة التحقق من السلامة في العمليات الجراحية
في عام 2008 أطلقت منظمة الصحة العالمية في إطار برنامج سلامة المرضى مبادرة لتقليل حجم الوفيات والاختلاطات الطبية أثناء العمليات الجراحية، واستعانت لهذا الغرض بمهندسي السلامة في شركة بوينغ الرائدة في مجال السلامة الجوية، قام المهندسون بالتعاون مع جرَّاحي مشفى (Johns Hopkins) بتصميم قائمة التحقق من السلامة في العمليات الجراحية، والتي تشابه تلك التي يستخدمها الطيَّار في تدقيق أمور السلامة قبل الإقلاع، تم تجريب القائمة التي تتألف من 19 بندًا بشكل طوعي على 8 مستشفيات حول العالم من بينها مستشفيات في العاصمة الأردنية عمّان، وتبين أن هذا الإجراء أسهم في خفض معدل الاختلاطات الطبية بـنسبة 35i%، وتخفيض معدل الوفيات الناجمة عن الخطأ الطبي بمقدار 47i%، عُمِّمت التجربة بعدها على أغلب مستشفيات العالم، إلا أن الإجراء لا يزال حتى اليوم اختياريًا وليس مفروضًا ضمن الحقل الجراحي.


صورة 1: نموذج الجبن السويسري لتفسير آلية حدوث الأخطاء في النُّظم الإنتاجية.
2.أنظمة التبليغ عن الخطأ
منذ عام 1947 بدأ قطاع الطيران بتحليل أخطاء الطيارين، وجمع المعلومات عند كل خطأ، والخروج بتوصيات لتجنب تكرار الخطأ، وعلى الرغم من فعالية هذه التقنية إلا أنها لم تجد طريقها للقطاع الصحي إلا متأخرًا عام 1995، حيث طُور نظام التبليغ عن الأخطاء الطبية في قسم التخدير والعناية المشددة في المستشفى الجامعي لمدينة بازل في سويسرا عام 1996، ومنذ ذلك الوقت عُمِّم استخدام هذا النظام في عموم سويسرا، ثم في عموم أوروبا الغربية تقريبًا، ورُبط النظام بشبكة لتبادل الاستفادة من الأخطاء، وعلى الرغم من فعالية هذه الأنظمة في تحليل الخطأ وفهمه وتجنبه، إلا أن أغلب الدراسات الطبية حولها تؤكد على أهمية هذه الأنظمة كأداة فعّالة فقط إذا ما تم التعامل معها بجدية، الأمر الذي تفتقده أغلب المؤسسات الطبية.
3.اللقاءات الدورية حول وفيات الأمراض
وهي لقاءات داخلية دورية تجرى في بعض المؤسسات الصحّية أكثر من مرة في الشهر، وتناقش حالات الوفيات التي حدثت خلال الأشهر الماضية في محاولة لاكتشاف الخطأ إن كان قابلاً للكشف وتجنبه مستقبلاً. وعلى الرغم من جمالية الفكرة من الناحية النظرية، إلا أن فعاليتها على أرض الواقع ضئيلة إذ لا تُعطى هذه اللقاءات الوقت الكافي للنقاش والتحليل واستقصاء مواطن الأخطاء، إضافةً إلى إسناد تحضير هذه اللقاءات أحيانًا إلى الأطباء المبتدئين تحت التدريب وليس لذوي الخبرة، وبجميع الأحوال لا يملك هؤلاء ولا أولئك الوقت الكافي للبحث والاستقصاء والاستنتاج، إذ إنهم ليسوا هيئة بحث مستقلة لا عمل لها سوى ذلك كما في الطيران، بل يتولون هذه المهمة إلى جانب الكثير من المهام الطبية اليومية.

لا تزال هوة الأمن والسلامة بين قطاعي الطب والطيران كبيرة، وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة الاستفادة من تجربة قطاع الطيران وتطوير برامج كشف الأخطاء وتحليلها وتطوير بروتوكولات خاصة لذلك. كما ينادي البعض الآخر لتحسين ظروف العمل، وتقنين عدد ساعات العمل للأطباء، وزيادة الكادر الطبي والتمريضي في سبيل إغلاق ثغرات الأخطاء البشرية أو تحجيمها. في حين يقر البروفيسور مارتن ماكاري (Martin Makary) صاحب الدراسة المذكورة أعلاه إلى أن الخطأ البشري شيء لا مفر منه، إلا أنه يؤكد على ضرورة قياس المشكلة بشكل أفضل لتصميم أنظمة أكثر أمانًا تخفف من تواترها ووضوحها وعواقبها. ويضيف إلى أن معظم الأخطاء لا تنجم عن الأطباء السيئين، بل عن فشل الأنظمة ويجب عدم معالجة هذه الأخطاء بالعقاب أو الإجراءات القانونية، بل بإصلاح الأنظمة وتحديثها، فالطب لايزال لديه طريق طويل ليمضيه.